215

يتقي إخلاف ما ترجو الذئاب

فمن ادعى أنه يسيغ مثل هذا الكلام اليوم، وأن ذوقه يستريح به، فإني إلى غيره أوجه الحديث.

هنالك شيء آخر له خطره الشديد، وله أثره البعيد: ذلكم أن تقدم الحضارة واتساع آفاق العلوم، قد فطن النقدة ومتذوقي الأدب إلى ألوان من البلاغة في مأثور العربية، لا أجرؤ على أن أقول إنه لم يفطن لها، وإنما أقول إنه لم يحتفل لها متقدمو نقدة الكلام أي احتفال، ومن أظهر ما أغفلوا الحديث عنه في هذا الباب بلاغة الصورة، وبلاغة القصص وما يتضمن من بارع الجدل ورائع الحوار.

انظروا أيها السادة، كيف يجلو الله تعالى علينا بعض خلقه في كتابه الحكيم:

إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون .

انظروا، أيها السادة كيف يصور لنا القرآن أهل الكهف في منامهم الطويل:

وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا * وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا .

الله الله، ما شاء الله! ولا قوة إلا بالله!

حدثوني بعيشكم: أي مصور مهما فحلت عبقريته واستمكنت سطوة فنه، يستطيع أن يجلو مثل هذه الصورة للعيون! فكيف وقد جلاها عليها القرآن عن طريق الآذان!

حدثوني بعيشكم: إلى أية قاعدة من قواعد البلاغة «الرسمية» نرد هذه «اللوحة» الفنية الرائعة لندرك بها علل كل هذا الإحسان والإبداع؟ أترى هذه الصورة قد انتهت كل هذا المنتهى لأن فيها ألوانا من الطباق في اليمين والشمال، وفي طلوع الشمس وغروبها، ويقظة الجماعة ورقودهم؟

Bog aan la aqoon