لقد حدثتكم في صدر هذا الخطاب عن عقلية فتى ناشئ لم يتهيأ له بعد أن يدرك الفرق بين العلوم والفنون، ولم يكن يعرف أن الفن ابن الطبع والغريزة والملكة، وإنما تدعو إلى إنشائه ومعالجته الحاجة تبعثها ضرورة أو تبعث إليها مجرد الرغبة في الترفيه والتلذيذ، أما العلم فمهمه بعد ذلك الملاحظة والتقييد والتسجيل.
فالبلاغة باعتبارها فنا هي أثر الملكة ومظهر قدرتها من نظم شعر رائع أو إرسال نثر بديع، أما البلاغة باعتبارها علما فهي عصارة ما خرج بالاستقراء للإحساس والأذواق من دواعي الحسن والقبح في فنون الكلام، وما يقال في البلاغة من هذه الناحية لا شك يجري حكمه على سائر الفنون والعلوم، والعالم بالفن غير المفتن على كل حال، وإنما بينهما العموم والخصوص الوجهي على تعبير أصحاب المنطق، فيجوز أن يكون المرء بليغا وهو غير عالم بقواعد البلاغة، ويجوز العكس، كما يجوز أن يجمع بين الخلتين معا، وهذه الشواهد ماثلة في الكثيرين ممن عاصرنا ومن لم نعاصر من العلماء والكتاب والشعراء.
إذن ليس العلم أيها السادة هو الذي يخلق الفن ويطبع ملكة المرء عليه، إنما الفنون كما زعمنا، وخاصة هذه الفنون الجميلة، وفن البلاغة منها - وإن نازع بعضهم في هذا - إنما هي من أثر تهيؤ الفطرة، أو ما اصطلحوا على تسميته بالموهبة في هذه الأيام، فإذا كان للعلم من هذه الناحية أثر، ففي توضيح المناهج وهداية السبل، وتبصير من يعالج الفن بما استجادت جمهرة أصحاب الأفهام والأذواق، أو ما أنكرت من آثار جماعات المفتنين، سواء من السابقين أو من المعاصرين.
ومما ينبغي أن يلاحظ في هذا المقام أن أفحل من عاصرنا من الشعراء لم يكن أكثرهم من العلم بقواعد البلاغة على حظ جليل ولا ضئيل، إنما هو الطبع والتهيؤ، وكثرة الحفظ، وترديد النظر في آثار البلغاء المجلين!
الفن يتطور
سيداتي، سادتي
إذا كان الفن التقليدي إنما يجري في حدود العلم، أي أنه ينبغي أن يطابق ما اجتمع عليه رأي أصحاب الأفهام والأذواق في الفنون الجميلة بوجه خاص، فلا ينبغي أن يفوتنا أن العلم لا يستحدث في الفن جديدا، ولا يعدل به من نهج إلى نهج، ولكن الفن هو الذي يغير العلم ويدخل على قضاياه بالتشكيل والتلوين، ما دام يشرع ويتطور ويستحدث، إذ كل هم العلم هو كما أسلفنا إلى الملاحظة والتسجيل والتدوين.
ولا شك أن أظهر ما يظهر فيه التطور بالاتساع والدقة هو الفن الجميل، لأن مرده في الغاية إلى الأذواق، والأذواق كما تعلمون شديدة التأثر بالكثير من أسباب الحياة، ومن أفعلها مبلغ حظ الجماعات من الحضارة والتثقيف، ولون تلكم الحضارة وهذا التثقيف.
نعم، إن للفنون الجميلة عند كل أمة تقاليد تكاد تتصل جذورها بالطباع والفطر، ولكن ذلك لا يمنع من أن يتناول الزمان كثيرا من مظاهرها وصورها بالتشكيل والتلوين. •••
أرجو أن تدعوني بعد هذا أزعم أن البلاغة العربية - باعتبارها فنا أولا، وباعتبارها فنا جميلا ثانيا - مما يجوز عليه التغيير والتلوين، ومما يتقبل النمو وشدة النفوذ، بحكم اطراد التقدم في أسباب الحضارة، واتساع الأفهام، ورهافة الأذواق باتساع آفاق العلوم والفنون.
Bog aan la aqoon