وأما قولهم: لو جاز أن يفعل الجور والخطأ، والكذب والافتراء من لم يكن جائرا ولا مخطئا، ولا كاذبا ولا مفتريا لجاز أن يكون جائرا أو ظالما ومخطئا وكاذبا من لم يفعل الجور والخطأ والافتراء والكذب، فإن هذا الاعتلال وهو من مقالتهم نفسها، وذلك إنا لا نرسل الجواب إرسالا، فنقول: إن الله فعل الجور والخطأ، وغير ذلك مما ذكروا؛ ولكنا نقول: إن الله خلق الجور والخطأ والكذب من الجائر المخطئ الكاذب، فجعله في عينه جورا مخالفا للعدل، وجعل الخطأ مخالفا للحق، وجعل الكذب مخالفا للصدق، ولا يجوز أن يفعل الجور من جهة ما يحكم بالجور إلا جائر، ولا أن يفعل الخطأ من جهة ما يختار فعله عن فعل الصواب إلا مخطئ، ولا أن يفعل الكذب من جهة الإخبار به إلا كاذب، وأما من جعل الخبر كذبا لغيره، والجور والخطأ والعبث جورا وخطأ وعبثا لغيره، موصوفا به فلا يكون بذلك كاذبا، ولا جائرا، ولا مخطئا، ولا عابثا، كما جعل حركة الاضطرار، وسكون الاضطرار للمتحركين الساكنين بهما، ولم يكن بذلك متحركا ولا ساكنا، وكما جعل الولد لغيره ولدا، والصاحبة لغيره صاحبة، ولا يسمى بذلك، ولا يوصف به جل وعلا عن ذلك علوا كبيرا، فكان غيره بذلك متحركا وساكنا ووالدا.
Bogga 35