190
عرف بعض اليهود بالمدينة بشدة عداوتهم لرسول الله ﷺ مع أن علماءهم كانوا يعرفون أنه سيبعث نبي وكانوا يعرفون صفاته من التوراة فمن أعدائه الذين انتصبوا لعداوته حيى وأبو ياسر وجدى بنو أحطب. وسلام بن مشكم. وكنانة بن الربيع وكعب بن الأشرف. وعبد الله بن صوريا وابن صلويا. ومخريق الذي أسلم بعد. ولبيد بن الأعصم الذي حرضه اليهود وسحر النبي ﷺ ثم جاء جبريل وأخبره بذلك السحر وبمكانه وعفا عنه رسول الله ﷺ وقال أما أنا فقد عافاني الله وكرهت أن أثير على الناس شرًا (يعني بقتله) . ومنهم مالك بن الصلت. وقد كان من أحبار اليهود ورئيسًا فإنه قال ما أنزل الله على بشر من شيء. فانظر كيف أدى به عداؤه لرسول الله ﷺ إلى الكفر بنبينا وبموسى ﵉ وبما أنزل عليهما. فقالت اليهود له ما هذا الذي بلغنا عنك؟ فقال أنه أغضبني فقلت ذلك فنزعوه من الرياسة وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف. وممن كان من أحبار اليهود حريصًا على رد الناس عن الإسلام شاس بن قيس اليهودي كان شديد الطعن على المسلمين، شديد الحسد لهم. مرّ يومًا على الأنصار الأوس والخزرج وهم مجتمعون يتحدثون فغاظه ما رأى من ألفتهم بعد ما كان بينهم من العداوة. فقال: قد اجتمع بنو قيلة والله ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار. فأمر فتى شابا من اليهود فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم ثم اذكر يوم بعاث: أي الحرب الذي كان بينهم وما كان فيه وانشدهم ما كانوا يتقاولون به من الأشعار، ففعل فتكلم القوم عند ذلك وذكر كل أقوال شاعرهم وتنازعوا وتواعدوا على المقاتلة فنادى هؤلاء يا آل الأوس ونادى يا آل الخزرج ثم خرجوا للحرب وقد أخذوا السلاح واصطفوا للقتال. فلما بلغ الخبر رسول الله ﷺ خرج إليهم فيمن كان معه من المهاجرين. فقال يا معشر المسلمين الله الله؟ اتقوا الله. أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله إلى الإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم به من الكفر وألف به بينكم. فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان وكيد من عدوهم فبكوا وعانق الرجال من الأوس الرجال من الخزرج ثم انصرفوا مع رسول الله ﷺ. وأنزل الله في شاس بن قيس ﴿يأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّنَ عَنْ سَبِيلِ الله مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا﴾ وأنزل الله في الأنصار ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَامِكُمْ كَافِرِينَ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ الله وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِالله فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَاطٍ مُستْقَيمٍ. يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُم عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ لعلَّكُمْ تَهتَدُونَ﴾ سورة آل عمران. وقد كان اليهود يسألون النبي ﷺ عن أشياء تعنتا وحسدًا وبغيًا ليلبسوا الحق بالباطل. فجاء مرة يهوديان إلى رسول الله فسألاه عن قوله تعالى ﴿وَلَقَد آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ﴾ . فقال لهما لا تشركوا بالله شيئا. ولا تزنوا. ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق. ولا تسرقوا. ولا تسحروا. ولا تمشوا ببرئ إلى سلطان. ولا تأكلوا الربا. ولا تقذفوا المحصنة وعليكم يا يهود خاصة لا تعتدوا يوم السبت. فقبلا يديه ورجليه وقالا نشهد أنك نبي. قال ما يمنعكما أن تسلما. فقالا نخاف إن أسلمنا تقتلنا اليهود. وسألوه ﷺ مرة. فقالوا: أخبرنا عن علامة النبي. فقال: "تنام عيناه ولا ينام قلبه". وسألوه أي طعام حرمه اسرائيل لعلى نفسه قبل أن تنزل التوراة: قال أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن اسرائل وهو يعقوب ﵇ مرض مرضًا شديدًا وطال سقمه فنذر لئن شفاه الله تعالى من سقمه ليحرّمنّ أحب الشراب إليه وأحب الطعام إليه. فكان أحب الطعام إليه لحمان الإبل وأحب الشراب إليه ألبانها. قالوا اللهم نعم. وقالوا مرة إغاظة له ﷺ ما يرى الرجل همة إلا في النساء والنكاح فلو كان نبيا كما زعم لشغله أمر النبوة عن النساء. فأنزل الله تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُم أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ فقد جاء أن سليمان ﵇ كان له مائة امرأة وتسعمائة سرية. وقد انضم إلى اليهود جماعة من الأوس والخزرج منافقون على دين آبائهم من الشرك والتكذيب بالبعث الا أنهم دخلوا في دين الإسلام خشية القتل لما قهرهم الاسلام بظهوره واجتماع قومهم عليه فكان هواهم مع اليهود في السر وفي الظاهر مع المسلمين وهؤلاء المنافقون. وقد ذكر بعضهم إن المنافقين الذين كانوا على عهد النبي ﷺ ثلاثمائة. منهم عبد الله بن أبي ابن سلول وهو رأس المنافقين ولاشتهاره بالنفاق لم يعد في الصحابة. وكان من أعظم اشراف أهل المدينة وكانوا قبل مجيئه ﷺ قد نظموا له الخرز ليتوجوه ثم يملكوه. وكان عبد الله بن أبي. جميل الصورة ممتلئ الجسم فصيح اللسان وهو المعنى بقوله تعالى ﴿وَإِذَا رَأيْتَهُمْ تُعْجبُكَ أجْسَامَهُمْ﴾ . مثال من نفاق ابن أبي

1 / 190