ولو علم جلالته حقيقة ما أعرف لكان من الرأي على غير هذا؛ فإن قتال العرب ليس كقتال الترك، لأن الأتراك أهل ثقل في الحركات وإبطاء، ولا وسائل نقلية لهم، فكنا نهاجمهم متى شئنا وننجو منهم متى خفنا، لسعة حركاتنا ولكوننا في بلادنا؛ ثم كما قلنا آنفا فإن الجند الأجير قد ملأ جيوبه من الأموال واستغنى فهو لا يريد الحرب، والجند الوهابي حريص على الجنة حسب عقيدته أنه إذا قتل دخلها. فأملت أنني أمنعه رحمه الله. ولما اختليت به وعرضت عليه فكري، غضب غضبا شديدا وقال: هذا رأي أم عصيان؟ فقلت: أعوذ بالله من المعصية والعصيان، ولكنها النصيحة، فإنني عالم بروحية الفريقين. فقال: إذن إن لم تفعل ما آمرك به فأنا متخل عن الملك. فاستعذت بالله وقلت: إنني فداء لكم ولرغبتكم وإنني ذاهب حسب إرادتكم، وكأني أنظر إلى مصارع القوم بعيني. وأضفت قائلا: سأصدع بالأمر وأسأل الله لجندكم الظفر ولنفسي الشهادة.
فعاد رحمه الله إلى مكة وتوجهت بالقوة التي معي إلى البديع - ماء عذب بحضن جبل البقوم - وبعثت إلى الأميرين عبد الله بن محمد وشاكر بن زيد بأن يتركا محلهما وينزلا بالبديع.
وبعد يوم ويوم نزلت البديع، وهو في منتصف الجبل يمينه القسم الجنوبي من حضن ويساره القسم الشمالي منه. وأحببت لقاء العدو به لأنه مركز منيع لا يؤتى إلا من وجه واحد، وإنني متى تحصنت به وبثثت السرايا وقطعت النخيل وأخذت المعاويد - وهي دواب للسقايا - اضطررت الأعداء إلى الجلاء أو التسليم ؛ وإنه إذا اجتمع الوهابيون وقصدوني به، فإن الدفاع يكون به أهون وأنا متحصن وعلى الماء، ومهاجمونا يمنعهم من البقاء الظمأ.
فأقمت، وأنا أبعث أتحقق عن حالة العدو، وإذا بأمر سام يرد ويأمرني فيه بالقدوم حالا؛ وفيه أنه إذا لم ننفذ ما أمرنا به فستكون التبعة علينا وأنه لا ترسل ذخيرة للعسكر بعد وصول الأمر بثمانية أيام. فعلمت الرغبة الأكيدة وخفت عاقبة مخالفة جلالته، حيث طاعته واجبة معنى ومادة؛ فقررت تنفيذ ما أمر. وبعد التشاور مع من أعتقد إخلاصه من الرؤساء رجحت الاستيلاء على مدينة تربة وحصنها المعروف برمادان، وهو الذي ضربت فيه القوة المصرية في حركة الوهابيين الأولين وأتي على آخرها، وقد كانت هي أيضا تحت تأثير الحركة الوهابية.
فتحركت بالجيش صباحا وأمسيت بالقرب منها، وفي اليوم الثاني ضربت وافتتحت، وبها تلقيت كتابا من الأمير عبد العزيز آل سعود ومآله يعاكس كتابه قبل أسبوع، وهو يقول:
بلغني أنك جئت تجر الأطواب والعساكر (هذه لغته في كتابه) تريدنا بنجد وحنا (يعني نحن) ما عندنا بنجد إلا الرمث نتظلل به حنا وعولاتنا (يعني نحن وعائلاتنا) فأنت أعلم أن أهل نجد كافة جاءوك يمشون مرتهم تسبق رجالهم (يعني المرأة منهم تسبق الرجل) من أقصاهم في الشمال وأدناهم في الجنوب، وأنا خرجت ونزلت الصخة (عد بنجد) مثل الفراع. وعليه فأنت انكف لديرتك (يعني انكفئ راجعا إلى الحجاز وأنا بالحجاز) فإن فعلت فأنا أمنع الإخوان، وإن لم تفعل فبصرك بنفسك.
فأجبته حالا:
إنني تلقيت كتابك، ولم أستغرب ما رأيت من تفاوت بين كتابك الأول والثاني؛ فالتهديدات في الكتاب الأخير لا تتناسب مع إيمان الصداقة والمحبة في كتابك الأول. وأما ما ذكرت من ناس جاءوا يقصدونني المرأة تسبق الرجل، فمن هم هؤلاء؟ فإن كانوا عتيبة فنحن وهم من عهد محمد رسول الله
صلى الله عليه وسلم
إلى اليوم وعهد ظئره حليمة السعدية، من ذلك العهد وهم جيراننا ورعايانا؛ فإن صدقت فيما قلت وأصابونا فلا فضل لك في ذلك فالغالب هم، وإن قدرنا الله عليهم وأصبناهم فوالله لا تجد عليهم ولا تحزن ولا ينقصونك. وأما طلبك مني الرجوع فهذا لا يليق بأن يكتب إلي به وأنا لا يقعقع لي بالشنان. فخابر إن شئت ولي الأمر بمكة، وأنا مستمر في عملي متوكل على الله.
Bog aan la aqoon