118

من هذا كله يتبين أن البلاد العربية التي لا تزال في يد ورثاء الثورة من رجال البيت الهاشمي وأشياعه هم العراق وشرقي الأردن، وأن عليهما واجبات وتبعات من المقتضى أن ينظروا إليها بحقيقتها والاعتراف بها بالنظر للحقائق الآتية، وهي: (أ)

الإقرار بأن سياسة إعلان استقلال سوريا والعراق عند انتهاء الحرب السابقة وفصلهما عن الحجاز قبل أن يتم الصلح بين تركيا وأعدائها، وقبل أن تتنازل الحكومة التركية عن حقوقها في هذه البلاد لهذه الأمة كان من أكبر الأخطاء. (ب)

الاعتراف بأن استقلال سوريا والعراق وانفصالهما عن الثورة العربية والملك الواحد هو الذي جر الانتدابات على هذه البلدان. (ج)

الاعتراف بأن إقرار التغيير في البيت المالك للحجاز هو إزالة الرئاسة الواحدة للبلاد الواحدة وأن كل هذا ليس في مصلحة الأمة العربية بأجمعها.

وعليه فخلاصة ما هو واقع الآن من دعوة إلى وحدة أمر لا يعرف منشأه والغاية منه. إلا أن هنالك مساعي خفية يجب البحث عنها والعثور عليها. فمسألة إيجاد وحدة عربية أو اتحاد عربي مسألة موهومة خطيرة، ففلسطين لا تزال محل إصرار لإتمام آمال اليهود فيها، وإنها لا تزال تحكم حكما مباشرا من إنكلترا، سوريا ولبنان وإن كان يقال إنهما قد استقلا استقلالا ذا سيادة وإن لديهما وزراء مفوضين من دول كبرى، فإنه مع هذا يقال عنهما إنهما لم يزل عنهما الانتداب الفرنسي بشكل فني؛ وهذه نقاط ارتكاز إن دلت لا تدل إلا على التشكيك. وكذلك فشرقي الأردن الموعودة بصورة صحيحة إلى الوصول إلى مصاف أخواتها مرجأ أمر تحقيق ما طلبت إلى ما بعد الحرب، فهي مقيدة الحرية نوعا. ولا تزال المملكة الحجازية منضمة إلى نجد وهي عقدة العقد لدى البيت الهاشمي وعقدة العقد لدى العالم الإسلامي بأجمعه في حجه وزيارة قبر نبيه، إذ إنه محظور على هذا العالم الكريم من أن يقوم بواجبات معتقداته كما يريد، وإن الأقلية المتعصبة المتحكمة فيه ليس لها في قديم الإسلام ولا جديده من فضل، وهذا لا ينبغي أن يغفل أمره.

وإنه لا ندري بالنظر للمسائل المعلقة بين إنكلترا ومصر فيما يتعلق باحتلال مصر فيما ينوب الجانبين في السودان، ثم إنا على جهل تام من درجة تحقيق أماني الوحدة أو الاتحاد وما يملكه رئيس وزراء مصر من وعود سرية يعلمها هو من لدن إنكلترا وأمريكا إلى أي حد هي. فإذا وقع أي إشكال بين الدول الغالبة التي لها من الحرب السابقة يد قوية على البلاد العربية، فهل سيسمح للمؤتمرين أن ينفذوا ما سيقررونه أم لا؟

ولذلك فمن واجب بغداد وعمان السعي للسير على سياسة هاشمية موحدة مع صرف المساعي للقضاء على من يريد إخراج القضية العربية عن مبادئ النهضة الأولى، بالأخص في القطر السوري الذي قد قام به تفاهم سعودي سوري لبناني خطير، وبذل الجهد لإحياء أنصار الثورة مرة أخرى بهذه الديار وإعادة الدعوة الهاشمية بها. هذا فيما يخص العراق والأردن وإنه يجب عليهما لفت نظر النحاس باشا إلى أن يطلب باسم المؤتمر من الحكومة العربية السعودية إيجاد إدارة دستورية وحكومة مسؤولة بالحجاز قائمة على هذا الأساس، لتأمين الرقي واستكمال أسباب الدفاع وتأمين حرية المذاهب في البلاد المقدسة، حتى تتمكن الحكومة النجدية من اكتساب ثقة العالم الإسلامي.

وكذلك فمن واجب الساعين للاتحاد أو الوحدة إظهار الرغبة في أن تكون المملكة اليمنية تحوز شيئا من الإصلاح العصري. مع شكر جلالة الإمام على أنه احتفظ بهده القطعة المباركة بشكلها الحاضر سالمة نقية، وأنه ينبغي تدريبها لكي تستعد لتنظيم خطاها فيما بعد مع أخواتها. ولذلك ولئلا يقع أي فشل في هذا الجهد، فمن الممكن عقد اتفاقات ترمي إلى وحدة عسكرية في نظامها، ووحدة مالية من حيث النقد وقيمته، ووحدة ثقافية ووحدة اشتراعية في غير الحجاز، ثم إيجاد عهد دفاعي لدرء أي خطر قد يقع على أي قسم من هذه الأقسام، وأن تتم هذه في سنين معينة بعد التداول، ومع هذا فلا ينبغي منع هذه الأقسام من أن تنضم متحدة أو موحدة كلها أو بعضها متى شاءت وفي أي لحظة أرادت.

وإنه ينبغي وحدة العمل وبناء وحدة عقيدة يدافع عنها الجميع أثناء الخروج من الحرب الحاضرة إلى حالة السلم، وما يمكن أن ينجم من وراء هذا من أضرار تلحق بالبعض أو الكل، مع الدعوات الطيبة وتمنيات الخير للأمم العربية وملوكها وزعمائها الكرام.

الوحدة العربية وكيف مزقت

Bog aan la aqoon