لا شك أن المجتمع الراقي السليم أقوى على مواجهة الأزمات السياسية العالمية من المجتمع المتأخر وأقدر منه على احتمال أعباء الدفاع الوطني. ومما تجدر ملاحظته أن الجمعيات الرياضية في أوروبا تساعد على تكوين المواطنين الصالحين والجنود المكافحين؛ فعلى الشباب إذن أن يساهموا في نهضة البلاد الرياضية والصحية والتعاونية والاجتماعية والخيرية. إن الجمعيات الرياضية الواسعة المدى في أوروبا قد وضعت نصب عينيها تطبيق المثل القائل: «العقل السليم في الجسم السليم»؛ ومن ثم كونت جيلا قويا رياضيا، هذا بينما نحن في مصر نجد أن 80٪ من شباب الجامعة لا يصلحون للجندية لضعف بنيتهم واعتلال صحتهم.
وعلى الشباب أن ينتظموا جماعات للعمل على الرقي الاجتماعي، وأن يؤسسوا هذه المنظمات إن لم تكن موجودة. عليهم أن يكونوا دائما دعاة للخير، عاملين على تخفيف آلام الإنسانية، مساهمين في الخدمات الاجتماعية، ساعين في التخفيف عن الفقراء والمرضى والمعوزين وأن يساهموا في نشر الثقافة بين مواطنيهم. فإذا اتجهوا إلى هذه الناحية نمت في نفوسهم الروح الاجتماعية التي تجعل من الإنسان مواطنا صالحا يحس بآلام مواطنيه فيعمل على التخفيف منها، ويشعر بشعورهم فيعمل على إسعادهم، وفي هذا معنى التسامي في الوطنية.
وأرجو أن يكون الشباب رسل تطور، وألا يتخذوا العنف وسيلة لهم في الكفاح.
وأود من الشباب ما داموا لا يزالون في معاهد التعليم على اختلاف درجاتها ألا يساهموا في السياسة الحزبية؛ إذ ليس من مصلحتهم ولا من مصلحة البلاد أن يساهموا في هذه السياسة. وعليهم إذا كانت لهم ميول نحو هذا الحزب أو ذاك أن يرجئوا الجهر بهذه الميول وتحقيقها حتى يتخرجوا من معاهد العلم؛ لأن هذه المعاهد يجب أن تصان عن أن تكون مسرحا لخلافات الأحزاب وتطاحنها.
إن السياسة الوطنية هي وحدها السياسة التي لا يلام عليها الشباب من الطلبة. ومن السهل على الشباب المثقف أن يفرقوا بين السياسة الوطنية والسياسة الحزبية، وإن وحي الوطنية في نفوسهم لكفيل بأن يلهمهم الفوارق بين السياستين. فعلى الطلبة أن يتعهدوا في نفوسهم روح الوطنية، لا روح الحزبية، وأن ينموا هذه الروح ويحافظوا عليها، حتى إذا تخرجوا من معاهدهم أمكنهم أن يستلهموا روح الوطنية في حياتهم الشخصية وحياتهم العامة. لأننا إذا أمعنا النظر في نقائص المجتمع في بلادنا وتعمقنا في دراسة علل هذه النقائص وأسبابها نجد أن أول سبب لها هو ضعف الروح الوطنية في نفوسنا. فإن هذا الضعف يميل بالمرء إلى أن يحيا حياة شخصية، لا حياة قومية، وهذه الحالة النفسية لا تجعل منه مواطنا صالحا يؤدي لبلاده ما يجب عليه من التزامات وواجبات، وأول هذه الالتزامات أن يؤثر مصالحها العامة على أطماعه الشخصية. والروح الوطنية هي كالأخلاق، لا تكتسب بعد تخرج الشباب من معاهدهم، بل يجب أن تنشأ وتتكون في البيت، وفي المدرسة الابتدائية؛ فالثانوية، ثم في الجامعة، وإذا لم تتكون في هذه المراحل فمتى - ليت شعري - تتكون؟
وصفوة القول أن على طلبة العلم أن يتعهدوا في نفوسهم روح الوطنية وينموها ويقدسوها ويحرصوا عليها، ولكن ليس لهم أن يشتغلوا بالسياسة العملية إلا بعد تخرجهم من معاهدهم، وعليهم أن يحترموا النظام والقانون وأن يتخلقوا بالأخلاق القويمة. (4) الأخلاق
الأخلاق ! الأخلاق! هي أساس الوطنية وركنها الركين، هي سياجها وحصنها الحصين، هي قوامها وغذاؤها الدائم. وإن أمة بلا أخلاق لا تستطيع أن تحمل أعباء الوطنية أو تسير خطوة إلى الأمام.
فلنتعهد الأخلاق، وليبدأ كل منا بنفسه، كبارا وصغارا، شيبا وشبانا. فإن الأخلاق والفضائل الوطنية لا تنمو ولا تقوى إلا إذا كان أساس الدعوة إليها القدوة الصالحة. فليتعهد كل منا أخلاقه، ويقوم المعوج منها، ويحصن السليم منها؛ فإنه بذلك يؤدي أعظم خدمة للمجتمع، ويضع لبنة في صرح الاستقلال والإصلاح والنهضة القومية.
Bog aan la aqoon