أراد الإنجليز أن يشوهوا جلال ثورتنا في الخارج، فصاروا يعلنون يوما أنها ثورة ضد الأجانب بهدف إثارة الرأي العام العالمي، وفي يوم آخر يسمونها ثورة الأكثرية المسلمة ضد الأقلية من الأديان الأخرى.
وقد أثار هذا الكذب والافتراء وسوء التعليل سخط إخواننا الأقباط والطوائف الأخرى، وكان أن تآخى الجميع، وصاروا يجتمعون في الكنائس والمساجد والمعابد وهم شيع مختلفة، وكان الشيخ يتأبط ذراع القسيس أو الحاخام أمام عدسات المصورين ليظهروا للملأ اتحاد الجميع على الثورة ضد الإنجليز، وكانت احتجاجاتنا على هذه التهم لا تتعدى أرض مصر؛ لأن السلطة كانت تراقب البريد المصري للخارج، وكانت صحفنا لا تصل إلى أبعد من الإسكندرية، فكنا إزاء هذه الحالة نستخدم كل الحيل لإرسال الأخبار مع المسافرين أو بعض الأجانب حتى يصل صوتنا إلى الخارج ... وقد أثار ذلك غضب الإنجليز على كثير من هؤلاء. وكان نصيبهم النفي خارج مصر. وأذكر من بين هؤلاء «الكونت دي كولالتو» الذي حرم عليه الإنجليز العودة إلى مصر حتى توفي بعيدا عنها، رغم أنه ترك فيها زوجته العجوز وابنه الوحيد، وقد قابلته في روما عام 1923 عندما حضرت المؤتمر النسائي بها، ولما رأيته متألما جدا من هذا النفي المجحف رغم خدماته الجليلة التي قدمها لمصر، كتبت إلى ولاة الأمور بشأن عودته، ونشرت في الصحف خطاباته التي أرسلها إلي يطلب فيها إنصافه وتمكينه من العودة إلى مصر التي يعتبرها وطنه الثاني ... ولكن كل ذلك لم يجد شيئا وبقي هناك حتى توفي.
لقد حدث أثناء سير أورطة إنجليزية أن طفلا مصريا مر من فاصل بين جنود القوة، فاغتاظوا لذلك وضربوه ضربا قاسيا. وكان ذلك قد حدث على مرأى من أحد الموسيقيين الطليان، فأثر فيه هذا المنظر، وانتهرهم قائلا: «أليست في قلوبكم رحمة» ... فضربه ضابط بمؤخرة البندقية على رأسه، فهوى ميتا. ولما علمنا بما حدث لرجل دفعه شعوره الإنساني للدفاع عن طفل بريء، أردنا إظهار مشاعرنا نحو هذا الشهيد، فأرسلنا باقة كبيرة من الزهور لتوضع على قبره باسم نساء مصر، وذهبنا للسفارة للتعزية فيه، فشكرنا ممثل الدولة الإيطالية، ورجانا في الوقت نفسه ألا نطيل مثل هذه المظاهرات خوفا من خلق مشاكل مع دولة بريطانيا العظمى.
الإضراب العام
من المظاهر الكبرى التي كان لها أثرها في خدمة القضية المصرية، ذلك الإضراب العام لجميع طوائف الموظفين والعمال والطلبة، وقد استمر هذا الإضراب مدة طويلة، حتى امتلأت الشوارع بالفضلات والأحجار ما اضطر السلطة الإنجليزية إلى تنظيف الشوارع ... ولما أضرب الحوذية والسائقون، كان الإنسان لا يسمع صوتا للترام أو العربات أو أي وسيلة من وسائل المرور، وأمام الشلل الذي أصاب المواصلات، استدعت السلطة أعضاء الوفد لتطلب منهم كتابة نداء وتوجيهه إلى الأهالي بطلب الكف عن هذا الإضراب، وإلا اعتبرتهم مسئولين عنه وعن نتائجه.
وقد اجتمع هؤلاء الأعضاء بزوجي وكيل الوفد في بيتنا قبل توجههم إلى مركز رئاسة السلطة الإنجليزية بفندق «سافواي» الذي كان الإنجليز احتلوه. وقد ترك الباشا زملاءه المجتمعين في الدور الأول من منزلنا، وصعد إلى الطابق الثاني ليقول لي: «ربما تعتقلنا السلطة، فإذا حدث ذلك، فأرجو أن تسلمي هذا المبلغ حرم سعد باشا، فربما تحتاج إليه في غيبتي.» وكان سعد باشا في المنفى في ذلك الوقت.
ولما نزل، توجهت إلى النافذة لأراه وهو خارج يتبعه كل أعضاء الوفد، وبعضهم يبتسم ابتسامة مريرة، وبعضهم الآخر مضطرب الخاطر، وأكثرهم يحملون معاطفهم وعصيهم مستعدين للنفي أو لما هو أكثر من ذلك، إذ كان قد أذيع في ذلك اليوم أنهم سيعدمون رميا بالرصاص أو ينفون.
وقد علمت فيما بعد أنهم أدخلوا غرفة، ثم دخل عليهم قائد السلطة، ودون أن يحييهم ألقى عليهم بضع كلمات حادة، وأراد أن ينصرف دون أن يجيب عن أي سؤال، فقال علي باشا شعراوي باللغة العربية: «أنا لم أفهم من كلامه شيئا ... أين هو ذاهب؟» فلما سمعه القائد يقول هذه الكلمات بحدة، عاد ليسأل عما يريده، فلما أفهمه كلام الباشا، أمر بأن تترجم له أقواله، وألح عليهم في أن يكتبوا هذا النداء ... فوافقوا على كتابة ما يصون كرامتهم ولا يتنافى مع وطنيتهم.
ولا يفوتني بهذه المناسبة أن أذكر مظهرا من مظاهر الوفاء والإخلاص الصادق من سيدة فرنسية صديقة، فقد سمعت ما أشيع من أن زوجي سيحكم بإعدامه، وأن السلطة قد وضعت أمام باب دارنا مدفعا تهديدا لنا، فجاءت على قدميها من روض الفرج؛ حيث كانت تسكن إلى بيتنا بقصر النيل، فوصلت في المساء. ولما دخلت علينا سقطت على الأرض من فرط التعب والتأثر، وصارت تبكي وتقول: سمعت عنكم أخبارا مزعجة، فجئت رغم إضراب السائقين مشيا على قدمي لأطمئن عليكم.
هذه السيدة الفاضلة هي «مدموازيل جان ماركيز» التي أصحبت محررة بمجلة «الاجبسيان» المصرية التي نصدرها باللغة الفرنسية.
Bog aan la aqoon