وفي 20 نوفمبر 1998 كتبت في الأهرام رؤية جغرافية للمشروع تساءلت فيه على أي أرض سوف يبنى المشروع وأية خسارة بيئية يجنيها؟ سهل الطينة هو في الحقيقة جيولوجيا تربة ملحية سميكة تكونت، باختصار، من تعاقب إرسابات رملية وطين بحري لأكثر من مائة متر عمقا فوق مياه جوفية بحرية، وهي بذلك جغرافيا وعمرانيا تربة معادية للبناء بأي تكنولوجية إلا بتكلفة قد تفوق العائد المرجو. وأنه لا يجب البدء في المشروع إلا بعد إجراء جسات عميقة عديدة على التربة للاطمئنان على سلامة الأبنية المقامة عليها. وتحتاج أيضا إلى تجارب وتحليلات معملية للتأكد من أن عوامل الشد والجذب لهذه التربة الملحية لن تكون ذات آثار ضارة عند فصلها عن المياه الملحية بالسدود والحوائط الأسمنتية إلى أعماق كبيرة.
ويتضمن سهل الطينة بحيرتين هما الملاحة الكبرى والصغرى وفيهما مجالات نشاط سمكي كبير، فضلا عن أنهما ملاذ للطيور المهاجرة بخاصة طائر الفلامنجو الذي يجد هنا بيئة صالحة نادرة في حوض البحر المتوسط قد لا يكون لها نظير سوى مستنقعات سهل الكامارج في جنوب فرنسا الذي يتمتع فيها بحماية حقيقية.
تجاهل مخططو المشروع كل هذا. بل كان المشروع يتضمن ردم البحيرتين باعتبار أن عائد الميناء المحوري والصناعة والمدينة والمطار أجدى من زريعة السمك أو المحافظة على طريق هجرة موسمية للطيور. والأدهى أنهم خططوا المدينة السكنية جنوب المنطقة الصناعية ضاربين عرض الحائط بمدى التلويث الصناعي الغازي والسمعي للبيئة والمناخ وصحة الناس. كما أن الجهاز الحكومي للمشروع باع للمستثمرين الصناعيين الأرض برغم صيحات الاعتراض على مبدأ البيع، وأن يكون بديله تخصيصا إيجاريا لمدة معينة رجحت أن تكون 50 سنة وبذلك تظل الأرض ملكا للدولة.
لا نعرف ماذا تم خلال سنتين، لكن قرارات اللجنة الوزارية العليا أوضحت أن نحو ثلثي المستثمرين انسحبوا وسحبوا الأموال التي دفعوها. لماذا؟ هل هذا بسبب قرار أن يدفع المستثمرون تعويضات زراعي السمك بدلا من الحكومة؟ أم أن المسألة من ذلك بعد ظهور مصاعب تربة سهل الطينة والتكلفة العالية التي سيتحملونها في حالة المضي في مشروعاتهم الصناعية أو غيرها من المشروعات التجارية والخدمات؟ أم أن الاستثمار في مشروعات شمال غرب خليج السويس - منطقة عين السخنة: الميناء وتخصيصات الصناعة - بدا أقل مخاطرة وأعلى عائدا ومن ثم أكثر جذبا من شرق بورسعيد ذي الإشكاليات المتعددة.
والواقع أننا في مصر نبدأ مشروعا ووراءه مباشرة مشروع مشابه منافس له. وهو ما يسبب إحباطا إما لعدم التنسيق بين الهيئات والوزارات القائمة بالمشروعات، وإما لأشياء ودوافع غير مرئية.
والخلاصة: أننا نتبنى في ذات الوقت مشروعين متشابهين: ميناء وصناعة ومدينة سكنية في منطقة واحدة غير بعيدة عن بعضها في شمال وجنوب قناة السويس - أي في مجال جغرافي ضيق لا يزيد طوله عن مائتي كيلومتر بين شرق بورسعيد وجنوب السويس!
وحيث إن الظروف البيئية والجيولوجية في شمال غرب خليج السويس أفضل بكثير من ظروف سهل الطينة، فلا بد أن الرهان الآن هو على مشروعات العين السخنة وليس شرق التفريعة.
وثمة ملاحظة هامة أن المشكلة الأساسية في المشروعين هي تدبير المياه العذبة اللازمة للصناعة وأشكال الحياة العمرانية. علما بأن مياه النيل محدودة ولا تستطيع الوفاء باحتياجات مصر المستقبلية، فما بالنا لو أضفنا أعباء أخرى. هذا قدرنا ويعرف المسئولون أن علينا أن نخطط بدقة بالغة في استخدام مياه النهر المتاحة في ضوء مشروعات الاتفاقات المستجدة لإعادة تقسيم مياه النيل بدخول إثيوبيا وغيرها في هذا المضمار، مما قد لا يجعلنا نتفاءل بالمستقبل القريب، وربما اضطررنا إلى الالتجاء إلى مشروعات مكلفة لتحلية مياه البحر. فالأمر إذن يحتاج إلى رؤية شاملة اقتصادية سياسية عمرانية مائية تتدارسها وتحدد أطرها بين المكسب والخسارة لجنة على أعلى مستوى ممكن؛ لأن الموضوع هو حياة مصر.
وحسب قرارات اللجنة الوزارية للمشروعات القومية في سبتمبر الماضي نجد أن مشروع شرق التفريعة قد انكمش إلى ميناء حاويات فقط بدلا من المشروع الأصلي، ولكن هل سيصبح ميناء محوريا يتعامل في ملايين الحاويات؟ ومما لا شك فيه أن سوق مصر لا تحتاج إلى ميناء جديد بهذه السعة، فلدينا ما يكفينا في دمياط وبورسعيد ومشروعات غرب الإسكندرية وعين السخنة. وكما يعلم المختصون أن للميناء المحوري متطلبات أساسية منها البنية التحتية وبخاصة الطرق الحديدية والبرية والمطار وأحواش كبيرة للتخزين وأسطول سفن صغيرة لإعادة تصدير الحاويات إلى الموانئ المتجهة إليها.
صحيح أن الموقع الجغرافي لشرق التفريعة هو موقع ملائم تماما لاستقبال وإعادة توزيع وتصدير الحاويات باعتباره يقع على قمة الطريق البحري العالمي بين الشمال والجنوب لتغذية احتياجات النقل لدول حوض البحر المتوسط الشرقي بصفة خاصة. لكن البحر المتوسط قد امتلأ بمواني الحاويات المحورية في إيطاليا واليونان وقبرص وتركيا ومشروع تطوير مواني أسدود الإسرائيلي وبيروت وتارنتو في جنوب إيطاليا ... إلخ. فهل دخلنا عصر المواني المحورية متأخرا؟
Bog aan la aqoon