248

Mirqat Mafatih

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

Daabacaha

دار الفكر

Lambarka Daabacaadda

الأولى

Sanadka Daabacaadda

١٤٢٢هـ - ٢٠٠٢م

Goobta Daabacaadda

بيروت - لبنان

وَوَقَعَ فِي (أَمَا) فِيمَا تَقَدَّمَ كَمَا وَقَعَ هُنَا فِي (أَلَا)، نَعَمْ أَصْلُ هَذِهِ الْهَمْزَةِ لِلْإِنْكَارِ لِأَنَّهَا إِذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّفْيِ أَفَادَتِ التَّحْقِيقَ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْقَامُوسِ لَكِنَّهَا غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلِانْفِصَالِ فَتَأَمَّلْ، فَإِنَّهُ مَزَلَّةٌ لِلرِّجَالِ، وَالْمَعْنَى أَيَحْسَبُ أَحَدُكُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَصَرَ الْمُحَرَّمَاتِ فِي الْقُرْآنِ، وَالْحَالُ أَنِّي قَدْ حَرَّمْتُ، فَأَقْحَمَ حَرْفَ التَّنْبِيهِ الْمُتَضَمِّنَ لِلْإِنْكَارِ بَيْنَ الْحَالِ وَعَامِلِهَا، كَمَا أُقْحِمَ حَرْفُ الْإِنْكَارِ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر: ١٩] جَاءَتِ الْهَمْزَةُ مُؤَكِّدَةً مُعَادَةً بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ الْمُتَضَمِّنِ لِلشَّرْطِ وَبَيْنَ الْخَبَرِ، ذَكَرَهُ الزَّجَّاجُ (عَنْ أَشْيَاءَ): مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ فَحَسْبُ وَمُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ وَالْمَوْعِظَةِ مَحْذُوفٌ أَيْ بِأَشْيَاءَ (إِنَّهَا)، أَيِ: الْأَشْيَاءَ الْمَأْمُورَةَ وَالْمَنْهِيَّةَ عَلَى لِسَانِي بِالْوَحْيِ الْخَفِيِّ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحَيٌّ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] (لَمِثْلُ الْقُرْآنِ): فِي الْمِقْدَارِ (أَوْ أَكْثَرُ)، أَيْ: بَلُ أَكْثَرُ، قَالَ الْمُظْهِرُ: أَوْ فِي قَوْلِهِ: أَوْ أَكْثَرُ لَيْسَ لِلشَّكِّ بَلْ إِنَّهُ ﵊ لَا يَزَالُ يَزْدَادُ عِلْمًا طَوْرًا بَعْدَ طَوْرٍ، إِلْهَامًا مِنْ قِبَلِ اللَّهِ، وَمُكَاشَفَةً لَحْظَةً فَلَحْظَةً فَكُوشِفَ لَهُ أَنَّ مَا أُوتِيَ مِنَ الْأَحْكَامِ غَيْرَ الْقُرْآنِ مِثْلُهُ، ثُمَّ كُوشِفَ لَهُ بِالزِّيَادَةِ مُتَّصِلًا بِهِ ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَفِيهِ تَأَمُّلٌ. وَقَدْ يُسْتَشْكَلُ هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] بِنَاءً عَلَى بَقَائِهِ عَلَى عُمُومِهِ أَيْ فِيمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الدِّينِ، يُجَابُ بِأَنَّ نِسْبَةَ هَذَا إِلَيْهِ ﷺ إِنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ الَّذِي اسْتَنْبَطَهُ وَاسْتَخْرَجَهُ مِنَ الْقُرْآنِ، وَلِذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: كُلُّ مَا حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ مِمَّا فَهِمَهُ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ أَخْرَجَ مَا يُؤَيِّدُهُ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ " «إِنِّي لَا أُحِلُّ إِلَّا مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَلَا أُحَرِّمُ إِلَّا مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ» ". وَقَالَ: جَمِيعُ مَا تَقُولُهُ الْأَئِمَّةُ شَرْحٌ لِلسُّنَّةِ، وَجَمِيعُ السُّنَّةِ شَرْحٌ لِلْقُرْآنِ. وَقَالَ: مَا نَزَلَ بِأَحَدٍ مِنَ الدِّينِ نَازِلَةٌ إِلَّا وَهِيَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ بِحَدِيثٍ أَنْبَأْتُكُمْ بِتَصْدِيقِهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ. وَعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: مَا بَلَغَنِي حَدِيثٌ عَلَى وَجْهِهِ إِلَّا وَجَدْتُ مِصْدَاقَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى (إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ): مِنَ الْإِحْلَالِ (أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ): بِكَسْرِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا (أَهْلِ الْكِتَابِ): يَعْنِي أَهْلَ الذِّمَّةِ الَّذِينَ قَبِلُوا الْجِزْيَةَ (إِلَّا بِإِذْنٍ): كَذَا فِي أَصْلِ السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ وَلَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ " إِلَّا بِإِذْنِهِمْ " أَيْ إِلَّا أَنْ يَأْذَنُوا لَكُمْ بِالطَّوْعِ وَالرَّغْبَةِ كَمَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ (وَلَا ضَرْبَ نِسَائِهِمْ): يُرِيدُ الضَّرْبَ الْمَعْرُوفَ بِالْخَشَبِ يَعْنِي لَا يَجُوزُ أَنْ تَضْرِبُوا نِسَاءَهُمْ وَتَأْخُذُوا طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْهُنَّ بِالْقَهْرِ، وَقِيلَ: الضَّرْبُ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ يَعْنِي لَا تَظُنُّوا أَنَّ نِسَاءَهُمْ مُحَلَّلَاتٌ لَكُمْ كَنِسَاءِ أَهْلِ الْحَرْبِ (وَلَا أَكْلَ ثِمَارِهِمْ)، أَيْ: بِالْقَهْرِ مِنْ بَسَاتِينِهِمْ فَضْلًا عَنْ بَقِيَّةِ أَمْوَالِهِمْ (إِذَا أَعْطَوْكُمُ الَّذِي عَلَيْهِمْ)، أَيْ: مِنَ الْجِزْيَةِ، وَالْحَاصِلُ عَدَمُ التَّعَرُّضِ لَهُمْ بِإِيذَائِهِمْ فِي الْمَسْكَنِ وَالْأَهْلِ وَالْمَالِ إِذَا أَعْطَوُا الْجِزْيَةَ، وَإِذَا أَبَوْا عَنْهَا انْتَقَضَتْ ذِمَّتُهُمْ وَحَلَّ دَمُهُمْ وَمَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ، وَصَارُوا كَأَهْلِ الْحَرْبِ فِي قَوْلٍ صَحِيحٍ. كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا وُضِعَ قَوْلُهُ الَّذِي عَلَيْهِمْ مَوْضِعَ الْجِزْيَةِ لِيُؤْذِنَ بِفَخَامَةِ الْعِلَّةِ، وَبِأَنَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ مُعَلَّلٌ بِأَدَاءِ مَا عَلَيْهِمْ، وَلَوْ صَرَّحَ بِهَا لَمْ يُفَخَّمْ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِمْ أَعَمُّ مِنَ الْجِزْيَةِ فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يُحْدِثُوا بِيعَةً وَلَا كَنِيسَةً فِي دَارِنَا وَأَنْ يَتَمَيَّزُوا فِي زِيِّهِمْ وَمَرْكَبِهِمْ وَسُرُجِهِمْ وَسِلَاحِهِمْ فَلَا يَرْكَبُوا خَيْلًا وَلَا يَلْبَسُوا مَا يَخُصُّ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالزُّهْدِ وَالشَّرَفِ وَيَرْكَبُوا عَلَى سُرُجٍ كَالْإِكَافِ وَغَيْرِهَا مِمَّا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، فَلَا وَجْهَ

1 / 250