Laga bilaabo Caqiidada ilaa Kacdoonka (3): Caddaaladda
من العقيدة إلى الثورة (٣): العدل
Noocyada
هذا الموقف في الحقيقة يكشف عن البناء النفسي للقائل أكثر مما يحتوي على إجابة موضوعية أو إقرار حقيقة. ويتلخص هذا البناء النفسي في الإحساس بالضعف ثم في الرغبة في التستر عليه أو تقويته باللجوء إلى قوة أعظم. وهنا يفترض الإنسان قوة أعظم من قوته وحقا أكثر من حقه، وكأنه لما لم يستطيع أن يكون إنسانا أصبح أكثر من إنسان! ويحدث ذلك تعبيرا عن عجز الإنسان بالضد عن طريق التعويض وإعطائه قوة أعظم منه. وثبات ذلك في الحقيقة وقوع في التشبيه؛ تشبيه الله بالسلطان القاهر وتدمير الحرية الإنسانية. كما أنه إعلاء للإنسان إلى درجة الله وجعل قدرته مساوية لقدرة الله ومشاركته في الخلق معه، وهو غير المقصود منه؛ مما يدل على أن عواطف التأليه والتعظيم والإجلال عواطف عمياء هوجاء، مناقضة لنفسها، تعمل ضد مقاصدها. وبالرغم من ذلك تظل قدرة الإنسان محدودة؛ فالله أقدر منه. وإن ما يبدعه الإنسان يلحقه الكون والفساد، في حين أن ما يبدعه الله لا يلحقه الكون والفساد حتى يظل الله متقدما على الإنسان ولو بدرجة واحدة. كما أنه إبطال للخلق، ودلالة الخلق على الخلق ووحدانيته، وإثبات للشركة فيه بين الله والإنسان. فالإثبات يؤدي إلى غير المقصود منه، ويدل على نقص في النظرة العلمية، وتحليل الأشياء بالرجوع إلى علل خارجية وليس من باطنها، وكأن الظواهر الطبيعية في يد إرادة قاهرة تسيرها كيفما تشاء، تقلب الحجر ذهبا والعصا ثعبانا. وإن تفسير النشأة الطبيعية للكون لا يحدد من سلوك الإنسان؛ فخلق الكون شيء وخلق الفعل شيء آخر. وكيف يسلب من الإنسان فعله وهو حي ويعطى له وهو ميت؟ قد يبلغ التعظيم مداه على حساب الإنسان عندما يكون المعبود قادرا على خلق إنسان ميت قادر! وهذا في الحقيقة تعبير عن عواطف التأليه وإلغاء للموقف الإنساني من أجل التأليه لدرجة افتراض المستحيل عمله، ثم من أجل إثبات المؤله وحده قادرا على فعل المستحيل مثل فعل الأجسام أو خلق الحياة أو الموت. إن الإنسان لا يفعل إلا في موقف إنساني ولا تظهر قدرته إلا في مستواها. وإن عدم القدرة على السير في الهواء أو التنفس في الماء ليس نقصا في القدرة، ولكنه إخراج للقدرة عن مستواها. السؤال إذن من أوله سؤال خاطئ بالنسبة إلى الواقع وإلى حدود القدرة الإنسانية التي لا تثبت أي عجز أو نقص في مقابل قدرة أعظم وأشمل.
355
وقد تكون هناك محاولة للتوفيق بين القدرتين، القدرة الإلهية والقدرة الإنسانية، أو القدرة الإلهية وقوانين الطبيعة، فتستثنى الحياة والموت والجواهر والأجسام ولا يبقى لله إلا الأعراض، وهذا حطة في شأن الله. كما أنها محاولة خاسرة لأنها تجعل الطبيعة صامدة من حيث هي جواهر وأجسام أمام القدرتين معا، فيثبت عجز القدرة الإلهية ويظهر مستوى القدرة الإنسانية في خلق الأفعال لا في خلق الأجسام.
356
أما الإجابة بالنفي فإنها تكون في نفس الوقت إثباتا للتنزيه وإثباتا للحرية الإنسانية.
357 (5)
هل أفعال الله مختارة؟ يظهر هذا السؤال الأخير كعود على بدء ليطرح موضوع الإطلاق والتقييد. الفعل المختار هو الفعل المقيد الذي اختير بباعث آخر سوى الفعل كالأصلح مثلا، في حين أن الاختيار نفسه مطلق غير محدود بباعث آخر سوى القدرة المطلقة. إثبات المختار حد من القدرة المعظمة وتأكيد لوجود طرف آخر له استقلاله وحريته وهو الإنسان. وإثبات الاختيار إثبات للقدرة المطلقة وللحرية التي لا تقوم على أي باعث إلا كمظهر للقدرة والتي تلغي أمامها كل حرية إنسانية أخرى . بل قد وصل الحد في تأكيد صفة الاختيار إلى اعتبارها صفة. من الحياة والعلم والإرادة والقدرة تتولد قدرة خامسة وهي الاختيار للتأكيد على الفعل الحر ولكن كل ذلك لله وليس للإنسان. وهو اختيار على مقتضى العلم والإرادة، ولا يصدر عن أية علية أو استلزام وجودي أو تكليف أو قصد أو مصلحة. ولكن أية عظمة في مثل هذا الاختيار الذي لا يحكمه قانون ولا تحدده غاية؟
358
والحقيقة أنها مشكلة إنسانية خالصة، وهي مشكلة الاختيار يسقطها الإنسان خارج ذاته على التأليه لمشخص ولا تحل إلا بإرجاعها إلى أصلها في التجربة الإنسانية. أما الحلول المتوسطة فإنها تكشف عن استحالة تصور الاختيار المطلق حتى في الله وكأن الجبر لا بد وأن يتسرب، وكأن الضرورة هي الجوهر والحرية هي العرض، وكأن الضرورة هي الوجود والحرية هي العدم.
359
Bog aan la aqoon