808

قال السيد (مانكديم): إن المجبرة مع تمسكهم بالجبر لا يمكنهم أن يعرفوا لله تعالى نعمة على أحد لا نعمة الدنيا ولا نعمة الدين، لتجويزهم أن يكون الله تعالى خلق الخلق لا لغرض أصلا لا النفع ولا الضرر بل خلقهم عبثا تعالى عن ذلك، قال: وهذا يوجب عليهم أن لا يعرفوا الله تعالى إلها، وأنه تحق له العبادة لأن العبادة هي النهاية في الخضوع والغاية في الشكر، والشكر إنما يستحق على النعمة، فإذا لم يمكن القوم أن يعرفوا كونه منعما أصلا كيف يمكنهم معرفة إلهيته واستحقاقه العبادة التي هي النهاية في الشكر؟! وأما قولهم: أنه لم يخلق الكافر إلا للنار فباطل بل خلقهم لعبادته، وقد بينا حسن التكليف فيما سبق.

وقال الإمام (أحمد بن سليمان): اعلم أنه لما ثبت أن المنعم حكيم وثبت أنه لا يفعل قبيحا ثبت أن إظهار الحسن وإيجاده حسن، وإذا ثبت أن إيجاد الحسن حسن وثبت أن الله لا يفعل قبيحا ثبت أن إيجاد الله للعالم حسن، ولما ثبت أن الله غني عن العالم ثبت أنه لم يخلقه لنفسه بل خلقه لعبادته نعمة منه وتفضلا. وقوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ...} [الذاريات:56] الآية، فبين أنه لم يخلقهم له، وأخبر أنه غني عنهم، وكذلك هو غني عن عبادتهم ونفعها لهم لا له، قال: فلما أمرهم بالعبادة وأعطاهم الاستطاعة عليها قبل وجوب الأمر ثم أثابهم عليها وضاعف لهم الثواب، صح أن التعبد نعمة وتفضل منه ابتدأ به عباده المكلفين.

Bogga 814