800

أحدها: ما تفرد الله بإيجاده نحو أن يخلق ويرزق، وهذا هو التفضل الذي ذكرناه آنفا.

الثاني: ما وصل إلينا من جهة غير الله في ظاهر الأمر، فهذا في الحقيقة إنما هو من الله لأنه الخالق للنعمة والمنعم والخالق للداعية إلى الإنعام في قلب المنعم، قال: إلا أنه تعالى لما أجرى النعمة على يد العبد كان ذلك العبد مشكورا، ولكن المشكور في الحقيقة هو الله تعالى.

الثالث: ما وصل إلينا بسبب الطاعة وهو أيضا من الله لأنه الذي وفقنا للطاعة وهدانا إليها وأزاح الأعذار عنا.

قلت: وهذا هو الثواب ولم يذكر العوض بناء على أصل المجبرة من أنه لا يقبح من الله قبيح فعندهم أنه يجوز منه تعالى الإيلام لغير استحقاق، ولا اعتبار ولا عوض؛ إذ ليس بمنهي، وقد قدمنا إبطال مذهبهم، وقوله: وخلق الداعية، مبني على أن الداعية موجبة وقد أبطلنا ذلك قريبا، وأما قوله في القسم الثالث: أنه من الله لأنه الذي وفقنا للطاعة ففيه ركة لأن تعليله يشعر بأن الثواب وصل إلينا من جهة الغير وهو الطاعة، لكن لما كانت بتوفيق الله تعالى كان في الحقيقة منه كما في القسم الأول، وليس كذلك فإنه واصل إلينا من جهة الله تعالى جزاء على الطاعة، فتأمل.

فرع [استطراد في ذكر نعم الله تعالى]

وأول نعمة أنعم الله بها على العبيد خلقه إياهم أحياء لينفعهم بذلك، أما اعتبار الخلق فإنه لو لم يخلقه لم يكن منعما عليه كسائر المعدومات، وأما اعتبار الحياة فلأن الشيء لا يكون نعمة إلا مع إمكان الانتفاع به ولا انتفاع بدون الحياة؛ إذ الجماد والميت لا يمكنه الانتفاع بشيء، وأما قولنا: لينفعه فلأنه لو خلقه لا لينفعه بل ليضره لم يكن منعما عليه كما في الكفار والفساق إذا أعادهم في الآخرة للنار فإنه لا يكون منعما عليهم؛ لأنه وإن خلقهم أحياء فلم يخلقهم لينفعهم بل ليضرهم، فلا بد من اعتبار هذه القيود الثلاثة عند أصحابنا.

Bogga 806