482

ثانيا: أن كون الانتفاع لا يحصل إلا للحي لا يخرج المنفعة عن كونها نعمة؛ إذ المراد بالمنفعة السرور واللذة، أو ما يؤدي إليهما، أو إلى أحدهما، ولا شك في كونها بهذا المعنى نعمة ممن كانت، وأما الأمر الثاني فلا نسلم أنه لا يقدر على تخليصها من شوائب الضرر إلا الله تعالى إذ فعل ما يوجب السرور مقدور للعبد، وإنما هذا مبني على الجبر، وأما اشتراط خلوها من خوف الانقطاع، فدعوى بلا برهان، ومما يبطله أنه يلزم عليه خروج كثير من نعم الله عن كونها نعمة؛ إذ لا تخلو عن هذا الخوف.

احتجوا خامسا بأن العبد وإن أنعم على غيره فإنا نقول: إن الله الذي خلق الداعية في قلبه بحيث لو لم يخلقها لم ينعم فالمنعم حقيقة هو الله فلا يستحق الحمد سواه.

والجواب: أن هذا مبني على نفي كون أفعال العباد منهم© وأن الداعي إلى الفعل موجب له، وقد مر إبطال ذلك كله.

وأما أهل العدل فاحتجوا بما قد شاع وذاع من حمد العباد على أفعالهم، بل حمد الجماد وما لا يعقل، وثبت ذلك عقلا وشرعا ولغة، وقد تقدم بعض ذلك، وقد التزم بعضهم العموم في الحمد، ويكون استحقاقه تعالى للحمد على أفعالنا من حيث التمكين منها وخلق القدرة عليها، ويدل عليه قول علي عليه السلام :(فإن أحسنت حمدت الله). رواه في النهج.

وقول زيد بن علي عليه السلام : والشكر واجب على الطاعة كلها لأنها بالله كانت، وقد قدمنا في الاستعاذة ما يؤيد هذا.

قالوا: ولا يلزم رجوع الذم إليه تعالى بالتمكين والإقدار على القبائح؛ لأن ذلك ليس بقبيح، بل هو حسن إذ لا يتم التكليف إلا به، والتكليف من أحسن أفعال الله لكونه تعريضا على السعادة.

Bogga 485