وكان الرجل يلقى الرجل من إخوانه في الجنازة وعسى أن يكون غائبا فما يزيد على التسليم يعرض عنه اشتغالا بما هو فيه. فهذا كان شأن السلف الصالح, واتباعهم سنة ومخالفتهم بدعة. وهذا هو الوجه الثامن, وهو ان تلك الحالة بدعة لم تكن وقعت في الصدر الأول. وقال عليه السلام: كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد. وفي رواية من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد. وفيه للعلماء كلام, وليس هذا موضع بسطه. وهذا إذا عريت البدعة عن هذه المقاصد الذميمة, والمآخذ المغايرة للشريعة الكريمة, فما أبعده عن الروح والسر, ومقام أهل الديانة والفضل والبر! من قال أو ظن أن ذلك سائر أو جائز, فهذا مدركي في المسألة, وعلى هذا وقفت في النازلة فيما رأيته معتبر, ومغربة خبر. ولو سأل سائل في حضور هذه الجنائز التي صحبها ما ذكر هل يباح للإنسان أن يتخلف عنها كما أباحوا التخلف عن الوليمة التي تصحبها وتحضرها المنكرات لكان وجها من السؤال جيدا. وما العجب كل العجب إلا في العامي يبين له فيبصر فيستبصر ويتلقى بالقبول التام, والتسليم العام, من جاء منهم مستفت مستخبر, ولا تجد من ينتمي لصنف الفقهاء يتحلى بهذه الحلية, ويتردى في الغالب بهذه الأردية, بل لا تجد عامة الفقهاء أبدا يوجهون ما عليه العامة, ولو سلك الناس أكبر طامة, لقام لها فقيه منتصر, بل فقهاء كل منهم لنصرتهم منتظر, ويلتمس لهم المخارج ويعتذر, ولا ينتهي عن ذلك ولا يزدجر.
Bogga 445