Matlac Budur
مطلع البدور ومجمع البحور
قلت: قال السيد يحيى بن المهدي في كتاب الصلة: وكانت أخلاقه شبيهة بأخلاق رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ينبسط للقريب والبعيد، مجلسه العام الناس فيه (على)(1) سواء، قد وظف وظائفه يجعل في اليوم ثلاثة أوقات للإقراء تامة، وللحكم وقتين لحاجة الناس الماسة إلى أقضيته وأحكامه، وللنسيخ وقتا يعود به على نفسه وأولاده، وما كان يأكل إلا من كد يده حتى لقي الله، وكان في بصره بعض ضعف، وكان له من الورع الشافي، والزهد في فضلات الدنيا الوافي، ما لا يسعه كاغد(2)، يلبس العبا الخلق والشملة الخلقة، وما يلبس القمصان إلا للتجمل في المجلس العام، وكنت أحضر في بعض الأحيان على غدائه وعشائه فأجده خبزا برا تارة وشعيرا تارة، وتارة يابس بجريش ملح، ومن ورعه قال لي يوما ليس لنا غداء، إذا لأضفناك وإن عندي لكيسا مملوءا دراهم لمسجد الجامع ما ساعدتني نفسي أقترض منه درهما. وكان مجلسه لا يذكر فيه أحد من المسلمين إلا بخير، ومن ذكر فيه مسلما بما لا يليق بحاله ظهر الضيق والضجر في وجهه الكريم، وقال يوما من تعود ترك(3) ظن السوء بالمسلمين سهل عليه الترك. سمعته يوما يحكى في مجلس الدرس أنه رأى في المنام أن القيامة قامت وأن الناس في قاع صفصف وليس راكب إلا الإمام يحيى بن حمزة راكب على فرس بيضاء ورديفه عليها رجل من المشرق يعرفه صالحا والإمام يسرع بسير الفرس ويقول (لمثل هذا اليوم حسنا الظن بالناس)(4). وكان أشد الناس مودة لآل محمد وأكثرهم تعظيما لهم وتوقيرا، سمعته(5) يقول: إذا لم يكن في حلقة قراءتنا(6) من أهل البيت أحدا اعتقدته خداجا ونقصا. وكان يمضي أحكامه على وفق مراد الله ، فمن حكم عليه فكأنه من الرضا بقوله وفعله حكم له، والمحكوم عليه والمحكوم له معترفان بفضله، شاهدان بعدله، وذلك ظاهر مشتهر، وناهيك به من كرامة تروى وآية تتلى، وكانت الفتاوى تفد عليه من اليمن الأعلى والأسفل، ومن تهامة ومن علماء الحنفية والشافعية، ومن عدن وتعز وجبلة؛ لأنه أحاط بفقه الفقهاء، ودرس فيه في زبيد وغيرها على علماء الحديث والفقه، وما علم بمجتهد بعد الإمام يحيى بن حمزة في الفقه إلا هو، فكانت الفتاوى تشغله وتهمه ويجيب عليها /60/ ليلا لازدحام الأوراد في النهار، ولو أفردت كتابا بسيطا مما أعرف من علمه وفضله وزهده وورعه وخوفه وخشوعه وأوراده الصالحة - فضلا عن غيري - لما أحطت باليسير من سيرته، لكن قد عرض ذكره، ولي فيه غرض، وحقه علي واجب مفترض؛ لأني لم أبلغ التكليف إلا وأنا من جملة درسته، وممن تعلق بمودته وأشرق قلبي بمحبته، فجزاه الله عني وعن كافة المسلمين أفضل الجزاء، وبلغه من رضاه وعفوه قضاء المنى بمحمد المصطفى، وآله أهل الشرف والوفاء، وكانت وفاته - قدس (الله)(1) روحه ونور ضريحه - سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، وقبره - رحمه الله - قريب من باب اليمن بصنعاء بالمقبرة المسماة بجربة الروض، اتخذ عليه الشيخ الصالح حسن بن محمد بن سليف مشهدا وتقرب إلى الله بذلك ومشهده مقصود مزور يتوسل إلى الله بقبره في نيل الأمنيات، ودفع البليات، وكتب بيده في لوح على قبره هذه الأبيات الحاكية بحاله في الحال والماضي والمستقبل الفقيه الإمام العالم الفاضل جمال الدين علي بن صالح بن محمد العدوي، وكان من أكمل أهل زمانه في العلم سيما علوم القرآن، فهو سيد أوانه فيها زاهدا عابدا فاضلا كاملا - رحمة الله عليه ورضوانه - وهي هذه الأبيات:
أيا زائرا للقبر جدد به العهدا ... ولا ترض عن تكرير زورته بدا
وإن كنت لا تدري بما ضم لحده ... فدونك فاعلم بالذي سكن اللحدا حوى القبر هذا العلم والحلم والتقى ... ونور الهدى والزهد والجود والمجدا
Bogga 99