بيت مري:
وهي قرية جميلة جدا، تكاد تكون ملاصقة لبرمانا، وقد بنيت على رأس جبل مثلها، وكثرت فيها المنازل والفنادق، وأهل بيروت يؤثرون الاصطياف في هاتين القريتين على بقية قرى لبنان.
بعلبك
ذهبت لزيارة مدائن بعلبك وحمص وحماة من صوفر في قطار سكة الحديد مع حضرة الوجيه الخواجا جرجي كرم، ومررنا بمحطة رياق، حيث انتقلنا إلى قطار يذهب في جهة بعلبك، وأما القطار الآخر الذي تركناه فيسير إلى دمشق، وقد مر وصف الطريق بين بيروت ودمشق فلا حاجة إلى التكرار. والمسافة بين رياق وبعلبك بالقطار ساعة وربع، أكثرها أرض منبسطة حمراء تقرب من أرض مصر ، وتعرف باسم بقاع بعلبك، وهي أعرض من البقاع الأخرى الكائنة بين دمشق وبيروت. ولما قربنا من بعلبك ظهرت بساتينها وجناتها الفيحاء، بما فيها من أشجار التفاح والمشمش وغير ذلك، والقطار يسير بينها زمانا. وقد ذكرني هذا الطريق الجميل بطريق آخر لبعلبك؛ إذ قصدتها مرة من طرابلس، وأهدن والأرز راكبا جوادا. وأهدن قرية جميلة في كسروان، ارتفاعها نحو 1445 مترا، اشتهرت بجودة هوائها وعذب مائها المتدفق، وهو أنقى من الزلال وأشهى من السحر الحلال، يتفجر من الصخر مثلجا، فلا تطيق أن تضع أصابعك فيه أكثر من دقيقة، وهي عند الطرابلسيين بمثابة صوفر عند البيروتيين. وقد ذهبنا إلى حرجة أرز لبنان المشهور من أهدن؛ لأنه على مقربة منها، ولهذا الأرز شهرة قديمة يأتيه السياح من أبعد الأقطار لرؤية شجره القديم، وقد يبلغ طول ساقها أحيانا 100 قدم، ودائرها من 24 قدما إلى 30، وتمتد فروعها المنبسطة إلى مسافة 20 قدما و30 و40، وهي طبقات بعضها فوق بعض، خضراء في جميع الأوقات، ولخشبها مزية الصلابة وجمال المنظر والرائحة الزكية، لا يأكله سوس ولا تضره رطوبة. والظاهر أن الأرز كان كثيرا في معظم أنحاء لبنان في الزمان السابق؛ فقد ورد عن سليمان الحكيم أنه بنى هيكل أورشليم العظيم من هذا الخشب، واستعان بملك صور على نقله من لبنان، فاستخدم هذا الملك 30 ألف عامل في هذا العمل، ولكن الأهالي دأبوا على قطع الأشجار حتى لم يبق من أرز لبنان إلا غابات قليلة، أهمها التي نحن الآن في ذكرها، فيها نحو 400 شجرة، وموضعها عال تحيط به الجبال لا يقل ارتفاعه عن 6000 قدم، وأقدم هذه الأشجار 12 شجرة، محيط بعضها نحو 40 قدما والبعض 20 أو 30. وفي لبنان غابات أخرى، منها واحدة قرب الباروك وواحدة فوق عين زحلتا، وقد مر ذكرهما، وغابات أخرى ما زالوا يقطعون أشجارها؛ ليبنوا به بعض منابر الكنائس في أوروبا أو ليبقوه تذكارا في البيوت.
وقد بتنا ليلة في الأرز الكبير، وصعدت منه قمة برأس القضيب، هي أعلى ما في لبنان، علوها 2495 مترا، وتأملت منها المناظر الشهية في كل جانب، فإنك ترى البحر وطرابلس كأنها تحت يدك مع أن المسافة بينهما 10 ساعات، وترى في الجانب الآخر قلعة بعلبك مع أنها تبعد 12 ساعة. وكان بعض الثلج باقيا في هذه القمة مع أننا زرناها في أواسط شهر أوغسطس. ثم انحدرنا من هنا حتى بلغنا قرية عيناتا، وهي من القرى البديعة وماؤها غزير بارد عذب زلال، لا يقل علوها عن 1590 مترا. وقد بتنا هنا ليلة ثم استأنفنا المسير في اليوم التالي، ومررنا بقرية الدير الأحمر تحيط بها غابات من شجر السنديان، وهي في أول بقاع بعلبك، وقد ظللنا 4 ساعات نسير في هذا السهل حتى وصلنا بعلبك، وهي موضوع حديثنا الآن.
كان أول ما خطر لي في بعلبك أن أرى قلعتها المشهورة، واسمها هنا الخربة، وهي معبد قديم فيه آثار العصور الفينيقية واليونانية والرومانية، حوله العرب إلى قلعة وزادوا فيه الحصون والأبراج باقية إلى هذا النهار، وقد زادني رغبة في زيارة هذا الأثر العظيم أن إمبراطور ألمانيا كان أتاه عام 1898، فلما رجع إلى بلاده سأل الدولة العلية أن تأذن لبعثة علمية ألمانية أن تبحث وتنقب في جوانب هذه القلعة، وقد أذنت الدولة وعادت أبحاث البعثة الألمانية بنفع كثير وأظهرت عدة مخبآت. وقد اشتريت دليلا لهذه القلعة وتاريخا بالعربية ألفه مخايل أفندي موسى ألوف البعلبكي، وهو يستحق على تأليفه الثناء. دخلت في بادئ بدء من قبو مظلم طوله من الشرق إلى الغرب 120 مترا وعرضه 5 أمتار وربع المتر، وعلوه 6 أمتار. وعلى مسافة 20 مترا من داخله قبو آخر يعارضه من الشمال إلى الجنوب طوله 93 مترا، يؤدي إلى قبو ثالث مواز للأول، وكل هذه الأقبية متناسبة الوضع، لما انتهيت منها صعدت ذرى قليلة فأشرفت على البناء الضخم الأنيق، له منظر يؤثر في النفس؛ نظرا إلى ضخامة أجزائه واتساعه وكبر أعمدته بعضها ثابت في مكانه والبعض تساقط بفعل الزمان، طول العمود منها 20 مترا، ومحيطه أكثر من 3 أمتار ونصف متر، وفي أعلاه أفريز جميل بديع النقوش، وقد كان في هذا المعبد 62 عمودا كالتي ذكرناها، فتهدم أكثرها والباقي منها على وضعه الأصلي 6 فقط، يراها القادم إلى بعلبك من مكان بعيد. وفي وسط البناء معبد جوبتر، وهو كبير الآلهة في معتقد اليونان القدماء، طوله 117 مترا، وعرضه 1012، وزخارف هذا المعبد منقوشة على الحجر بالغة حد الإتقان، يحار المرء من دقة نقش الورد والأزهار فيها إذا ذكر أنها صنعت في زمان الأقدمين. وتقدمنا بعد هذا إلى معبد باخوس، وهو إله الخمر عند الرومانيين، وهو - أي هذا القسم - يفوق كل الأقسام الأخرى ببدائع نقشه، ولم يتخرب منه على قدر ما تخرب من سواه، طوله 68 مترا والعرض 34، وقد بقي من عمده الأصلية 9 ملاصقة للجدار، وكان عددها فيما مر 50 عمودا، طول الواحد منها 18 مترا، ودائرة محيطه من الأسفل 5 أمتار ونحو ثلاثة أرباع المتر، ومن الأعلى أقل من ذلك بقليل.
وأما باب المعبد الرخامي - وهو الباب الرسمي لهذه الآثار - فإنه أجمل ما ترك الأولون للآخرين، لم أر له نظيرا في آثار رومية وأثينا وصعيد مصر، طوله 13 مترا وعرضه نصف الطول، وقد ملئ دائره بأبهى أنواع النقش على الرخام، وظهرت فيه صورة الكوبيدون إله الجمال، ومن حوله القينات يحملن عناقيد العنب من كروم نقشت نقشا يشرح الصدور ويبهر الأبصار، حتى إن الضلوع المعروفة في ورق العنب من ظهرها بدت في تلك النقوش، وقد تعرشت أغصان منها على أغصان بشكل بديع. وهنالك كنيسة بناها الإمبراطور ثيودوسيوس ملئت برسم الصليب اليوناني جدرانها، وعلى مقربة منها أعمدة من حجر الغرانيت الأحمر المصقول مبعثرة في الأرض، وهي مثل عمد الهياكل المصرية المشهورة أصلها من مقالع أصوان، ولا بد أن يعجب القارئ لمقدرة الذين نقلوها إلى بعلبك من ذلك المكان السحيق.
وأما منظر هذه القلعة من الخارج فإنه مهيب أيضا، ولو أن النقوش ليست متوفرة مثل الأجزاء الداخلية، فقد بني الصف الأول كله مع طوله من ستة حجارة فقط، طول الحجر منها 10 أمتار وعلوه 4، والصف الثاني كله ثلاثة حجارة فقط، طول الواحد منها 19 مترا ونصف متر، والعلو 4 أمتار وبعض الشيء، ووزن الحجر من هذا الصنف 720 طونلاتة، فلو أنهم وضعوا 50 حجرا من هذا النوع في صف واحد بلغ طول الصف ألف متر، كل هذا والحجارة الكبرى المذكورة محكمة البناء إحكاما لا مثيل له، حتى إن إدخال الإبرة في شق بين الحجرين ليعد بمثابة المستحيل. وقد استخرجوا هذه الحجارة من مقلع عند باب البلد لم يزل في أرضه بعض منها، وأهمها حجر كبير اسمه عند الأهالي حجر الحبلى، طوله 21 مترا وعرضه 5 أمتار وثلث المتر من أحد الطرفين، وأقل قليلا من الطرف الآخر، وهم يقدرون وزن هذا الحجر بألف طن، وإذا شاءوا رفعه مقدار قدم عن الأرض فقط لزم للرفع آلة بخارية قوتها 20 ألف حصان. وقد اشتغلت البعثة الألمانية بوضع كتاب فيه بيان هذه الآثار ورسومها وغرائبها، وأعلنت أن ثمن الجزء من كتابها ألف قرش، فقابل هذا بما ترى من إعراض الشرقيين عن مشترى الكتب. ومن هذا القبيل فقد رأيت جمعا غفيرا من أهل الشام ومصر في بعلبك يأبون شراء الكتاب الصغير الذي ذكرته من قبل مع أنه يفيدهم في فهم أعظم آثار الأقدمين وأجملها بإجماع جميع العارفين، والحق يقال إن علماء ألمانيا أكثر الناس اهتماما بآثار الشرق في هذه الأيام، وأبحاثهم في الأناضول وما بين النهرين وتدمر وأثينا وبعلبك وقبرص ومصر تشهد لهم بالدأب والاجهاد، وقد رأيت عند قلعة بعلبك نحو 40 صندوقا ملئت بما تناثر من آثار القلعة؛ لترسل إلى برلين.
والقادم إلى بعلبك إذا رآها في سهل من الأرض منبسط كما هي حالتها توهم أنها في مكان منخفض، ولكنها عالية يبلغ ارتفاعها عن سطح البحر 1170 مترا، وفيها متنزه جميل من أشهر مثابات الأنس في سورية عند نبعها يعرف باسم رأس العين، تجمع فيها بهاء الماء النقي الجاري والعشب السندسي والأشجار الغضة المزروعة إلى جانبي الطريق الممتد من البلد إلى هذا المكان البديع.
حمص
Bog aan la aqoon