كانت عين صوفر قرية صغرى، لا يعرفها من الناس إلا فئة قليلة إلى عهد قريب، فلما مر منها خط الحديد ما بين بيروت ودمشق وبني الفندق الكبير، صارت هذه القرية مثابة الكبراء ومصيف السراة الأغنياء، وشيدت فيها فنادق أخرى غير الكازينو الكبير وعدة منازل وقصور لأهل الترف واليسار من السوريين المقيمين في بيروت أو في مصر. وصوفر موضع عال لا يقل ارتفاعه فوق سطح البحر عن 1280 مترا، ولكن الماء فيه قليل، فهو في ذلك يشبه كثيرا من أهم القرى اللبنانية؛ لأن القرى المذكورة بنيت على رءوس الجبال، والماء لا ينبع من رأس الجبال، بل من سفحه والأودية المتصلة به؛ فلذلك ترى الماء قليلا في أكثر هذه المثابات الجميلة. ويحدث في صوفر وعالية كثيرا أمر يميز لبنان عن غيره، هو أن الضباب يتكاثف فوق بعض جهاته، ويخيم حتى يصبح مثل بحر من السحاب تحت تلك الشعاب والقنن، وهو يعرف عند اللبنانيين باسم «الغطيطة»، ومنظره غريب ولكنه لا يدوم كثيرا؛ لأن الرياح تتلاعب به وتبدده بعد انعقاده بقليل. وفي ضواحي صوفر نزهة الشاغور، ويقال له متنزه حمانا أيضا يرغب الناس في انتيابه كثيرا؛ لأن ماءه ينحدر من شلال علوه نحو 20 مترا، ويهبط على صخور ثم يجري بينها، ومن حوله المقاعد والكراسي العريضة يجلس الناس إليها ويتفرجون، وصاحب القهوة يقدم للطالبين ما عنده من طعام وشراب. وقد بنيت هذه القهوة على رأس وادي حمانا الذي يستقي من ماء هذا الشلال، ومسافة هذا الموضوع عن صوفر نحو ساعة بالعربة.
بحمدون :
هي قرية مشهورة بجفاف هوائها، وليس فيها شجر، بل كل ما حولها كروم عنب لذيذ، فالأطباء يصفونها للمرضى، وقد جعلوها مستشفى بديعا، وهي لا تبعد أكثر من نصف ساعة بالعربة عن صوفر. وبحمدون على كتف واد غير عميق، فلا يتصاعد الضباب منه كما يتصاعد في الجهة الأخرى، وأرضها صخرية.
نهر الصفا:
يبعد هذا النهر نحو ساعة بالعربة عن صوفر، وطريقه بين جبلين من الصخر الأزرق القاتم، يكاد التراب لا يتخلل الصخور، فلا نبت فيها ولا غرس، وقد ذهبنا إليها في عربة، ومررنا في الطريق بخلوة للدروز أو هي معبدهم، ونادي العقال منهم دهنت بالجير الأبيض من الخارج، والدخول إليها محظور على كل فرد من الناس ما خلا عقال الدروز. وما زالت العربة تهبط بنا تلك الأودية حتى بلغنا نهر الصفا البديع مجراه، وقد قامت من حوله منازل وفنادق ومضارب يقضى فصل الصيف فيها، وقد بنوا عند هذا المجرى قهوة ووضعوا فيها مطحنة تدور آلاتها من ضغط الماء، ويتكون من دورانها شلال من الماء يتطاير ويتناثر على الصخور، ثم يجري من عدة مواضع في خور نمت فيه أشجار من الدلب والحور والصفصاف. ويمر الماء بعد ذلك تحت جسر فيسقط في خور آخر، ويسمع لسقوطه دوي، ويرى إلى جانبيه صفوف أخرى من الأشجار التي تنمو إلى جانب الماء كالتي ذكرناها، حتى إن ذلك المكان أضحى بهجة للناظرين ومجموع بدائع للمتأملين، وقد تمشينا فوق صخور نهر الصفا نحو ربع ساعة حتى بلغنا نبع القاع، وهو مصدر هذا النهر يتفجر ماؤه من قاعة أو مغارة عالية في وسط الصخور، إذا تسلق المرء قليلا بلغ تلك القاعة، ووجد أنه في شبه كهف عال كأنما هو منحوت في قلب الجبل، والماء يجري من ذلك الكهف إلى ما دونه تحت أشجار غضيضة ملتفة تحجب نور الشمس، وقد جعلت منظر ذلك المكان من المشاهد المعدودة في جبل لبنان.
عين زحلتة:
من القرى المشهورة بجمال موقعها، ولكنها لا تطل على البحر مثل أكثر مصايف لبنان، وقد أهلت بالسكان وكثرت عمائرها، ولكن المصطافين يؤثرون السكن في حدودها. والجبل القائم فوقها لا يقل ارتفاعه عن 1300 متر فوق سطح البحر، وعند سفح هذا الجبل غابة من الصنوبر، فيها فندق صغير وبعض المنازل والمضارب والأكواخ يصنعونها من أغصان الصنوبر، وتقضى فيها أشهر الصيف.
الباروك:
قرية قريبة من عين زحلتة، والمسافة بينهما نحو نصف ساعة، وجملة المسافة من صوفر إلى الباروك بالعربة نحو ساعتين ونصف ساعة، فالذين يقصدون هذه الجهة من النازلين في فندق صوفر عدد كبير، أكثرهم يعودون في نفس النهار بعد أن يتناولوا الطعام مما تزودوا على نهر الصفا ونهر الباروك، ويضعوا سلال الفاكهة في هاتيك المجاري الشهية لتبرد ثم يرجعون إلى صوفر في آخر النهار كما فعلنا. وهي نزهة يقل نظيرها في سائر الأقطار، وأشهر ما في الباروك نبعها البديع، ونهرها الذي يشبه ماؤه الزلال، وهو يجري في أرض منبسطة خلافا لبقية ينابيع لبنان، ويسقي عدة مزارع في قرية الباروك وسواها، وقد اشتهر هذا النهر بنقاء مائه وبرودته في أيام الحر، حتى إن المرء لا يطيق بقاء يده في المجرى أكثر من دقيقة، وإذا وضع نصف ريال في قاع المجرى بين الصخور أمكن للرائي أن يقرأ حروفه؛ لأن الماء بالغ النقاء، وعلى مقربة من الباروك غابة من شجر الأرز يقصدها المتفرجون، وهي كائنة عند قاعدة جبل اسمه صات الجبل، يبلغ علوه 1545 مترا، فهو من أعلى مواضع لبنان.
زحلة:
Bog aan la aqoon