Manahil Cadhba

المناهل العذبة في إصلاح ما وهي من الكعبة

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه ثقتي

الحمد لله الذي أوجب على كافة الأنام، تعظيم هذا البيت الحرام، بأقصى غاية التعظيم، وأتحف اللائذين بأذياله -بما وقر في نفوسهم له- من نهايات الإجلال والإكرام والتفخيم.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة يستفتح بها كل مغلق عقيم، ويحيى بروح سرها كل عظم رميم.

وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي قام بأعباء حرم بيته الأكبر، وأشادها على كواهل وارثيه ليذبوا عنها من بهذا الحمى الأقدس أراد أن يتسور. صلى الله عليه وسلم ، وعلى آله وأصحابه الذين ما زالوا معظمين لهذه البنية الشريفة، والكعبة المعظمة المنيفة، وعلى تابعيهم المبينين لأحكامها، القائمين بآدابها واحترامها، صلاة وسلاما دائمين بدوام سؤددها، باقيين ببقاء مددها. آمين.

وبعد:

Bogga 23

فإنه ورد في أوائل تسع وخمسين وتسعمائة أوامر مولانا -سلطان الإسلام والمسلمين، ومبيد الكفرة والمبتدعة والملحدين، ظل الله في أرضه، القائم بأوفى غايات العدل في سننه وفرضه، الملك العادل الأفخم، والخاقان الكامل المعظم، السلطان ابن السلطان، الحادي عشر من ملوك بني عثمان، الملك المظفر شاه سليمان، أدام الله على أهل الإسلام عدله ومسرته، وعلى أهل الشرك والبدعة سطوته ونقمته، وأباد بسيوف قهره وعدله غياهب المحن، ومواقع الفتن، وأدام ملكه الأعظم الأعدل الأفخم في ذريته الطاهرة، وبلغه أعظم مأمولة في الدنيا والآخرة، آمين- بترميم ما تشعث في الكعبة المعظمة، لعرض قاضي مكة، بسؤال سدنتها، على نائب مولانا السلطان بمصر المحروسة، الوزير علي باشا؛ فإن سقفها صار ينزل منه الماء الكثير من المطر، وإن ذلك ربما آذى وأضر.

فعرض علي باشا ذلك على أبواب مولانا السلطان الزكية، وسدته العلية، فتحرى -عز نصره، وزاد عزه وبره- جريا على ما انفرد به هو وجميع آبائه الأكرمين، من بين سائر الملوك والسلاطين، أن لا يبرموا أمرا إلا بعد مشاورة العلماء العاملين، لا سيما إمامهم ومفتيهم المقدم على جميع القضاة والمفتين.

واستفتى مولانا إنسان عين الزمان، وخليفة النعمان، ومحقق الأعصار المتأخرة، ومدقق المباحث العويصة المقررة، إمام الإفتاء بالباب العالي، المحفوظ بصلاح نية مولانا [السلطان] من صروف الأيام والليالي، عما أنهاه إليه سدنة الكعبة.

فأفتاه بما هو الحق الواضح، من إصلاحها على ما يليق بحرمتها.

فكتبت المراسم الحنكارية لعلي باشا، أن يعين لذلك من مماليك مولانا السلطان من يراه، فعين علي باشا لذلك الأمير أحمد بيك، رئيس كتاب خزانة مصر المحروسة، كان ذلك بعد أن عين له من الأموال ما يليق بذلك.

Bogga 24

فقدم بها مع الآلات إلى مكة، ثم لما أراد الشروع في ذلك، نازعه فاتحها، فأحب الناظر أن لا يستبد بأمر حتى يجمع جمعا من علماء مكة؛ لينظر: هل يطابقون ما أفتى به مفتي السلطان أو يخالفونه؟

فأرسل هو وقاضي القضاء بمكة -الرومي الحنفي- إلى أولئك بعد صلاة الجمعة، سادس عشر شهر ربيع الأول سنة (959 ه)، تسع وخمسين.

وعقد مجلس حافل، وكان من جملة ما فيه، أن قال فاتح الكعبة: هي لا تحتاج إلى ما يريدون فعله فيها، فأحضر مهندس السلطان ومعه آخر، وشهدا أن فيها خشبتين مكسورتين من سقفها، وخشبة ثالثة لم تنكسر، لكنها نزلت عن محلها تسعة قراريط.

فحينئذ استفتي الحاضرون عن ذلك وكنت معهم، فأفتيت بأن ما إصلاحه ضروري يصلح، وبأنه ينبغي أن يضم إلى هذين الشاهدين بعض أهل الخبرة، حتى يطيب خاطر فاتح الكعبة.

فوافق الناظر والقاضي والحاضرون على ذلك، وكذا فاتح الكعبة، وزاد أنه ينبغي كشف ما على الخشب المدعى انكساره، فإن تحقق أصلح، وإلا رد كل شيء إلى محله، فوافقوه أيضا.

ثم كتب في المجلس ورقة بذلك جميعه، وقرئ على الحاضرين، وكان منهم جماعة من المالكية والحنفية، ثم تفرقوا على ذلك.

Bogga 25

ثم أراد الناظر الشروع في ذلك، فتوقف بعض سدنتها في ذلك، وعقد مجلس آخر أكثر جمعا من الأول، فدار الكلام بينهم في المسألة، فكثر اختلافهم، ولم أكن حاضرا فيه.

فقيل: إن منهم من قال كما قلناه: لا يصلح إلا ضروري الإصلاح، ومنهم من قال: هذا كلام غير صحيح، بل لا يتعرض لها بشيء أصلا، حتى يقع منها شيء فيرد إلى محله، ومنهم من قال: لا يصلح وإن وقع سقفها؛ لأنها كانت في الجاهلية غير مسقفة، ومنهم من قال: كيف يقال بإصلاحها، وبقاؤها على ممر الأعصار خرقا للعادة من الآيات الباهرة؟!

ثم تفرقوا من ذلك المجلس ولم يتحصلوا منه على شيء يعلم اتفاقهم عليه.

فعند ذلك، أظهر الناظر إفتاء المفتي السابق ذكره، ولم يكن أظهره قبل ذلك، وكتبه في سؤال، ثم كتب بعده ما وقع في المجلس، ثم رفعه إلى أولئك الحاضرين، مستفتيا لهم: هل يوافقون ما قاله المفتي من إصلاح الضروري أو الحاجي، فيعمل بما أفتى به، أو يخالفونه فيبينون سند المخالفة من النقل؛ ليعرض عليه كلامهم، وينظر الصواب مع أي الفريقين؟

فالأكثر كتب بنحو كتابة المفتي، وبعضهم امتنع من الكتابة، وأرسلوا إلي لأكتب، فقلت لهم: لم أحضر هذا المجلس، وقد حضرت المجلس الأول، وضبطتم ما قلته فيه مما ظهر موافقته لما أفتى به المفتي.

Bogga 26

وحينئذ كثر كلام العامة، ونقل إلينا أن الموافقين للمفتي إنما وافقوه خشية الفتنة، وأن الذي عليه أكثرهم إنما هو عدم إصلاحها مطلقا، حتى يسقط ما يراد إصلاحه.

فلذلك عزمت -بعد الاستخارة- على بيان ما للعلماء في هذه المسألة، مما يدل على الجواز أو المنع، مع حمل كل من تلك العبارات على ما يتعين حمله عليه، ويتبادر كل ذهن سليم إليه.

فشرعت في ذلك أول شهر ربيع الثاني، سنة تسع [وخمسين]، وقد شرعوا في الإصلاح على ما وقع في الإفتاء السابق، مستعينا بالله ومتوكلا عليه، ومفوضا سائر أموري إليه، لا رب غيره، ولا مأمول إلا بره وخيره، وهو حسبي ونعم الوكيل، وإليه أفزع في الكثير والقليل.

وسميت هذا التأليف ب:

((المناهل العذبة في إصلاح ما وهى من الكعبة))

ورتبته على مقدمة وأربعة مقاصد وخاتمة:

أما المقدمة، ففي تحرير ما أفتيت به.

وأما المقاصد:

فأولها: في بيان كلام أئمتنا في ذلك.

وثانيها: في كلام الحنفية.

وثالثها: في كلام المالكية.

ورابعها في كلام الحنابلة.

وأما الخاتمة، ففي تتمات وفوائد تتعلق بذلك.

Bogga 27

المقدمة

اعلم أن الذي أقوله وأفتي به على قواعد أئمتنا، أنه يجوز -بل يطلب- إصلاح ما تشعث واختل من سقف الكعبة وجدارها وميزابها وعتبتها ورخامها، كما وقع عليه الإجماع الفعلي الآتي بيانه، وتقرير العلماء عليه، من لدن عمارة ابن الزبير رضي الله عنهما إلى يومنا هذا، وأنه يجوز التوصل إلى بيان حقيقة ما ظن اختلاله من نحو سقفها، بكشف ما يعلم به أمره، كما وقع نظيره مما يأتي بيانه [أيضا].

بل سيأتي عن الفاسي، أنه وجماعة من قضاة مكة وأمير العمارة الذي ندبه لها -برسباي- وأعيانها، اجتمعوا بالكعبة لما خافوا من سارية من سواريها ظهر بها ميل، فكشفوا من فوقها، فوجدت صحيحة، وردت حتى استقامت.

Bogga 28

وهذا منه -كالقضاة وغيرهم- صريح فيما قلته آخرا، من جواز الكشف المذكور، فتأمله فإنه واضح.

وما يقال: يحتمل أنهم كانوا مكرهين، فهو فاسد؛ وما الحامل للإمام الفاسي على أن يحضر هو والقضاة مكرهين، ثم لا يذكر ذلك؟ بل يذكر ما هو صريح في رضا الحاضرين، وأن ذلك لم يفعل إلا بإذنهم.

ومما يحفظ عليك وقوع هذا الاختلاف، أن الله تعالى جبل قلوب المسلمين على غاية التعظيم والمهابة والإجلال.

فكل من أفتى إفتاء، فإنما حمله عليه -مع ما فهمه من كلام أئمته- أنه لم ير التعظيم للكعبة المعظمة إلا فيه.

وسيأتي من تعظيم السلف لها -بل الجاهلية- مما يبهر العقل، وفي ذلك دلالة على بقاء الخير الكثير في الأمة، كما أخبر به الصادق صلى الله عليه وسلم ، فقد جاء في الحديث الحسن، أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تزال هذه الأمة بخير ما عظموا هذه الحرمة حق تعظيمها -يعني الكعبة والحرم- فإذا ضيعوا ذلك هلكوا)).

فإن قلت: ما وجه التعظيم في عدم الإصلاح؟

Bogga 29

قلت: كأنهم يلحظون صونها عن استعلاء العمال عليها ما أمكن، وكأن قائل ذلك لم ير -ما يأتي- أن قريشا لما أرادوا هدمها، توقفوا عنه؛ خشية أن يصيبهم عذاب، فقال بعضهم: إنما يخشى ذلك من لا يريد الإصلاح، فتوقفوا، فأخذ [الوليد] المعول وقال: اللهم إنا لا نريد إلا الإصلاح، فهدمها، فلما رأوا أنه لم يصبه شيء، تبعوه.

وكذلك وقع لابن الزبير رضي الله عنهما، كما سيأتي بسط ذلك كله.

بل الحجاج إنما كان متأولا ردها إلى ما كانت عليه في زمنه صلى الله عليه وسلم ، فلذلك لم يصبه شيء، مع أنهم كانوا يرون أن من تعرض لها هلك، كما سيأتي ذلك كله.

فإن قلت: فما وجه التعظيم في إصلاحها؟

قلت: هو أن تركها متشعثة متهدمة يزيل هيبتها من قلوب كثيرين ليس محط نظرهم إلا الصون وعظمتها، كما سيأتي بسط ذلك. وقد أشار إليه ابن الزبير بقوله الآتي: لو أن بيت أحدكم احترق، لم يرض له إلا بأكمل الإصلاح.

فتأمل ذلك يسهل عليك وقوع هذا الاختلاف الذي يرجع أكثره إلى القول بالاستحسان لا غير.

(تنبيه): لما أتممت هذا الكتاب، رأيت ما أبلج صدري، وزاد بسببه حمدي وشكري؛ إذ وافقت فيما أفتيت به الإمام المتفق على جلالته، وتحقيقه وإمامته، الإمام المحب الطبري، الذي قيل في ترجمته: لم يخرج من مكة -بعد إمامنا الشافعي رضي الله عنه- أفضل منه. وقيل فيها -أيضا-: ما وجد له بحث رد، أي غالبا.

Bogga 30

وعبارته -[و] من خطه رحمه الله نقلت، بعد أن تكلم على حديث عائشة رضي الله عنها الآتي بكلام مبسوط سأذكره في آخر المبحث الخامس-: ((ومدلول هذا الحديث -تصريحا وتلويحا- يبيح التغيير في البيت بالعمارة، إذا كان لمصلحة ضرورية أو حاجية أو مستحسنة)). انتهت.

فتأمل قوله: ((أو حاجية أو مستحسنة))، تعلم أن القائلين بنحو ما مر في الخطية، إنما سلكوا ملك الحدس والتخمين، ولم يتأملوا كلام الأئمة الراسخين، فالحق أحق أن يتبع، ومن لم يرجع لذلك فقد حاد عن سنن الصواب وابتدع.

وإذا تأملت كلام المحب هذا، وجدته هو الذي ذكرته في هذا الكتاب، وأقمت عليه الأدلة الصحيحة الجارية على جادة الصواب، فالحمد لله على موافقتنا للعلماء فيما أبديناه وحررناه وقررناه، ورأيناه حسنا.

Bogga 31

### || المقصد الأول في بيان كلام أئمتنا في ذلك

وفيه مباحث:

الأول

قال أصحابنا: يصح الإهداء والنذر إلى الكعبة نفسها، وكذا لرتاجها وطيبها ووقودها، فينقله إليها، ثم يصرف إلى القيم بأمرها ليصرفه في الجهة المنذورة، إلا أن يكون قد نص في نذره أنه يتولى صرف ذلك بنفسه.

قال الإمام [العالم] المجتهد التقي السبكي، في كتابه ((تنزل السكينة)) -بعد ذكره نحو ذلك-: ((فظهر بهذا القطع بثبوت اختصاص الكعبة بما يهدى إليها و[ما] ينذر لها، وما يوجد فيها من الأموال، وامتناع صرفها في غيرها، لا للفقراء ولا للحرم الخارج عنها المحيط بها، ولا لشيء من المصالح إلا أن يعرض لها نفسها عمارة ونحوها.

Bogga 32