في مرة سألته بلطف: «ألا ترغب في الاستيقاظ؟» ولأضفي على الجو بعض التفاؤل استرسلت قائلا: «كم هي جميلة حياتنا!»
فنهض من سريره وقال لي بارتياب: «ربما حياتك أنت.»
ناولته جوربيه، فنظر إليهما لحظة رافعا حاجبيه ثم سألني: «وأين الثالث؟»
ساعدته في ارتدائهما حتى لا يستغرق الأمر زمنا طويلا، وتركني أفعل ذلك راضيا، وبعدها قدته إلى المطبخ في الدور السفلي، حيث يتناول طعام الإفطار. وبعد ذلك طلبت منه أن يذهب للحمام لحلاقة ذقنه، فقال لي وهو يغمز بعينه: «كان من الأفضل أن أبقى في البيت، لن آتي لزيارتك مجددا قريبا.»
بينما كنت أريه الطريق إلى الحمام كان يغني: «يا إلهي، يا إلهي! ...» محاولا إضاعة الوقت.
فقلت له: «كل ما عليك فعله هو حلاقة ذقنك، حتى يصبح شكلك أفضل.»
تبعني في تردد وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة قائلا: «إذا كنت تعتقد أن ذلك سيحدث حقا.» ونظر في المرآة ودلك شعره بيديه بقوة حتى لانت الشعرات الواقفة وتمددت فعلا كبقية شعره. ونظر لنفسه مرة أخرى في المرآة وقال: «أصبحت مثل الإنسان الجديد تماما.» ثم عبر عن عميق شكره.
أصبح أبي يشكر كثيرا في الفترة الأخيرة؛ فقبل بضعة أيام ودون أي سبب مفهوم وجدته يقول لي: «أشكرك جزيل الشكر مقدما.»
وبمرور الوقت أصبحت أتجاوب مع تلك الجمل التي يبتدئني بها وأقول له: «بكل سرور!» أو «هذا يسعدني!» لأن التجربة علمتني أن مثل هذه الإجابات التي تعطي أبي الشعور بأن كل شيء على ما يرام أفضل بكثير من أن نسأله عن سبب توجيهه الشكر كما كنا نفعل سابقا، وهو ما كان يشعره بالخجل وفقدان الثقة في نفسه. ولا يوجد شخص يحب أن يجيب عن الأسئلة التي تكشف له عن مدى القصور الذي يعتريه، هذا إن فهمها أساسا.
كانت محاولات المواءمة تلك مؤلمة في بادئ الأمر، وكانت تستنفد قوانا. ولأن الإنسان منذ طفولته يرى والديه في صورة الأقوياء القادرين على مواجهة مصاعب الحياة، فإن رؤية الضعف الذي يستنزفهما بالتدريج تكون أصعب من رؤية ذلك يحدث للآخرين. لكني بمرور الوقت بدأت أتأقلم على نحو جيد مع هذا الدور الجديد، وتعلمت أيضا أن التعامل مع إنسان مريض بمرض ألزهايمر يحتاج إلى معايير جديدة. فإذا أراد أبي أن يوجه الشكر فليوجه الشكر، حتى وإن لم يكن هناك داع لذلك، وإذا أراد أن يشكو من أن العالم كله قد تخلى عنه، فليشك؛ سواء أكان تقييمه للأمور يطابق الحقيقة أم ينافيها؛ لأنه لم يعد يرى عالما سوى عالم ألزهايمر. وبوصفي قريبا له فكل ما أستطيعه هو محاولة تخفيف مرارة الأمر برمته؛ وذلك بأن أسمح للواقع الذي اختلطت أوراقه عند المريض بأن يظل قائما كما يراه هو.
Bog aan la aqoon