Mahasin wal Masaawi
المحاسن والمساوئ
أبعدَ خمسٍ قد حفظتُ عدّها ... أحمل قوسي وأُريد ردها
أخزى الله لينها وشدّها ... والله لا تسلم عندي بعدها
ولا أرجي ما حييت رفدها
ثم عمد إلى القوس فضرب بها حجرًا فكسرها ثم بات، فلما أصبح إذا الحمر مطرحة حوله واسهمه مضرجة بالدم، فندم على كسر قوسه وشدّ على إبهامه فقطعها، وأنشأ يقول:
ندمت ندامة لو أن نفسي ... تطاوعني إذًا لقطعت خمسي
تبيّن لي سفاه الرأي مني ... لعمر أبيك حين كسرت قوسي
وقال الفرزدق:
ندمت ندامة الكُسعيّ لما ... غدت مني مطلقةً نوار
وكانت جنتي فخرجت منها ... كآدم حين لجّ به الضرار
ومنه ما قيل في خفي حنين وكان حنين إسكافًا من الحيرة فساومه أعرابي بخفيه واختلفا في ذلك حتى أغضبه فأراد أن يغيظ الأعرابي، فلما ارتحل أخذ حنين الخفين فألقى أحدهما على الطريق وألقى الآخر في موضع آخر من طريقه، فلما مر الأعرابي رأى أحدهما فقال: ما أشبه هذا بخفّ حنين ولو كان معه أخوه نزلت فأخذته، ومضى، فلما انتهى إلى الآخر ندم على ترك الأول وأناخ راحلته فأخذه ورجع إلى الأول. وقد كمن له حنين فعمد إلى راحلته فذهب بها وما عليها، وأقبل الأعرابي وليس معه إلا الخفان، فقال له قومه: ما الذي أتيت به؟ قال: أتيت بخفّي حنين، فضربته العرب مثلًا. وقال الشاعر في مثله:
لتقرعنّ عليّ السنّ من ندمٍ ... إذا تذكرت يومًا بعض أخلاقي
محاسن الحنين إلى الوطن
قال الله ﵎: " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم "، فقرن جل ذكره الجلاء عن الوطن بالقتل، وقال جل وتعالى: " وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أُخرجنا من ديارنا وأبنائنا "، فجعل القتال ثأرًا للجلاء. وقال النبي، ﷺ: الخروج عن الوطن عقوبة.
وقال عمر بن الخطاب، ﵁: لولا حب الوطن لخرب بلد السوء.
وكان يقال: بحب الأوطان عمرت البلدان.
وقال جالينوس: يتروّح العليل بنسيم أرضه كما تتروح الأرض الجدبة ببلل المطر.
وقال بقراط: يداوى كل عليل بعقاقير أرضه فإن الطبيعة تنزع إلى غذائها.
ومما يؤكد ذلك قول أعرابي وقد مرض بالحضرة فقال له قائل: ما تشتهي؟ قال: محضًا رويًا وضبًا مشويًا.
وحدث عن بعض بني هاشم قال: قلت لأعرابي: من أين أقبلت؟ قال: من هذه البادية! قلت: وأين تسكن منها؟ فقال: مساقط الحمى حمى ضرية لعمر الله ما نريد بها بدلًا ولا نبغي عنها حولًا نفحتها العذاوات وحفّتها الفلوات فلا يعلولج ترابها ولا يتمعّر جنابها ولا يملولح ماؤها، ليس بها أذىً ولا قذىً ولا موم، فنحن فيها بأرفه عيش وأنعم معيشة وأرغد نعمة. قلت: فما طعامكم؟ قال: بخ بخ عيشنا عيش تعلل جاذبه وطعامنا أطيب طعام وأهنأه وأمرأه الفثّ والهبيد والصليب والعنكث والعلهز والذآنين والينمة والعراجين والحسلة والضِّباب واليرابيع والقنافذ والحيات وربتما والله أكلنا القدّ واشتوينا الجلد فما نعلم أحدًا أخصب منا عيشًا ولا أرخى بالًا ولا أعمر حالًا، أوما سمعت قول شاعر وكان والله بصيرًا برقيق العيش ولذيذه؟ قلت: وما قال؟ قال قوله:
إذا ما أصبنا كل يومٍ مذيقةً ... وخمس تميراتٍ صغارٍ كوانز
فنحن ملوك الناس خصبًا ونعمة ... ونحن أسود الناس عند الهزاهز
وكم متمنٍّ عيشنا لا يناله ... ولو ناله أضحى به حقّ فائز
فالحمد لله على ما بسط من حسن الدعه ورزق من السعة وإياه نسأل تمام النعمة.
وقيل لأعرابي: كيف تصنع بالبادية إذا انتصف النهار وانتعل كل شيء ظله؟ فقال: وهل العيش إلا ذاك؟ يمشي أحدنا ميلًا فيرفضّ عرقًا كأنه الجمان، ثم ينصب عصاه ويلقي عليها كساءه وتقبل عليه الرياح من كل جانب فكأنه في إيوان كسرى.
ذكر من اختار الوطن على الثروة - قال بعض الأدباء: عسرك في بلدك خير من يسرك في غربتك.
وقيل لأعرابي: ما الغبطة؟ قال: الكفاية ولزوم الأوطان والجلوس مع الإخوان. قيل: فما الذلة؟ قال: التنقل في البلدان والتنحي عن الأوطان.
وقال بعض الأدباء: الغربة ذلة فإن ردفتها علة وإن أعقبتها قلة فتلك نفس مضمحلة.
وقالت العرب: الغربة ذلة والذلة قلة.
1 / 138