أعرف أن الكثيرين سيزايدون ويغالون ويقولون: بل أنت المهزوم، بل أنت المخطئ، بل أنت النائم، وشيء من هذا لا يهمني من قليل أو كثير، ليت الأمر كذلك، ليتني النائم المقروص في شعب صاح حي، وليت كلماتي كلها تخاريف حمى، فأنا أعلم وأنتم تعلمون أننا كلنا نعاني نفس الشعور، وما دام الأمر كذلك؛ فالمرض عام، وسببه واحد: مهزومون يخدعونهم بقولهم إنهم غير مهزومين، بل يريدون إقناعهم بأن المسألة «شوية ديون، وشوية سلبيات، وشوية انحرافات» وبإجراء هنا وإجراء هناك، بالمحافظة على الديمقراطية، وعلى القائمة النسبية ننقذ أنفسنا منها ونشفى.
لا، هذه هزيمة ألبسوها طاقية إخفاء بحيث لا نراها، ولن نراها إلا إذا توقفنا لحظة ورمقنا حياتنا، وما نعانيه ونحسه في لحظة صحوة، فإنني لأكاد أقسم أننا إذا تبينا الصورة لومضة فلن ننام بعدها أبدا، أجسامنا نفسها سترفض النوم وتأباه، قوى الحياة التي نحن بالضرورة مزودون بها، ستستيقظ وترفض وتقول: لا لن أقبل، ولن نقبل أن نحيا مهزومين.
فحتى الديدان ترفض حياة الهزيمة، وتزحف ملليمترا ملليمترا، لتخرج من المأزق، وتنقض على فريستها أو عدوها وتنتصر.
حتى الديدان إذا أيقنت أنها هزمت أو في سبيلها لأن تهزم، تنتفض فيها كل ما تمتلكه من قوى المقاومة، وتستحيل من إرادة الدودة حيث ركنت واستكانت إلى إرادة العملاق المستوحش في الدفاع عن حياته وعن حقه في حياته، وقدرته على هذا الدفاع.
لقد بدأنا القضية بعرض الفتور، ثم اكتشفنا أن الفتور راجع لحالة الغضب، وها نحن أخيرا نضع أيدينا على سبب الغضب أنهم قد هربوا الهزيمة إلى كل منا دون أن يدري، ولأنه لا يدري فهو لا يملك أن يصنع لغضبه أو لفتوره شيئا.
ربما إن أدرك السبب، وبطل العجب، وأيقن أن الهزيمة وصلت إلى عقر داره وتجويف صدره، انقلب غضبه من الآخرين إلى غضب على هزيمته الخافية وانقلب غضبه على الهزيمة، ومنها إلى إرادة عظمى لقهرها، وهزيمة الهزيمة.
ولأننا نعرف حال إنساننا وما آل إليه.
فلا تطلبوا منه ولا تتوقعوا أن يهب من نومه المريض أو مرضه النائم فجأة، ويمتشق حسامه ويقضي على الهزيمة وهازميه بضربة واحدة.
ليكن مطلبنا منه مثلما فكرت ودبرت قيادة المقاومة الفرنسية أيام الاحتلال، شيئا بسيطا جدا في استطاعته، ومن أمكن أن نبدأ به، وتصعد مع البداية خطوات فوقها خطوات، إلى أن تصل إلى العمل الجماعي الكامل العملاق.
ليكن شيئا بسيطا جدا لا شعار «اشتر البضائع المصرية» ولا «تشجعوا منتجاتنا المحلية»، ولا حتى شعار أن يشتري الإنسان شيئا على الإطلاق.
Bog aan la aqoon