لقد آن لي أن أعود؛ إذ إنه لم يعد قادرا على الاحتمال. فهو مشغول البال من الناحية المادية، ولم يكن من الممكن الحصول على قرض كان يفكر فيه دون أن يكون معينا بمنصب ما، لكنه لا يتكلم عن ذلك إلا لي أنا. ففي إحدى الأمسيات، كان «ج» يشكو مطولا وضعه المالي، لكنه كان يعيش في بحبوحة، ولما كان طه يعرفه فقد استثير: «لماذا يشكو؟! أعتقد أنني سأعتاد على أن أكسر: «اعذريني» كل الناس الأغنياء الذين يشكون فقرهم أمامي. فذلك يغيظني ويسيء إلي. لست غنيا، ولكني بحمد الله لا أتفاخر بفقري، أولا لأنني لا أستطيع، كما أنه سلوك يخلو من اللياقة.»
أحبك وأنتظرك ولا أحيا إلا على هذا الانتظار ...
تلك كانت آخر رسالة منه خلال هذه الأشهر الثلاثة من الفراق. لقد سببت له هذه الفترة كثيرا من الآلام، لكن ذكراها تظل عزيزة عليه وعلي؛ فقد تجرأ أخيرا على أن يقول: «أنا قليل الإفضاء بمشاعري، بل إنني صموت، وإنني على وعي بذلك تماما، لكن ما أكثر ما حدثتك منذ رحيلك عن أشياء لا تطيقين سماعها! لم أكن أعتقد على الإطلاق بقدرتي على مثل هذا الحب. وستبقى دوما في أعماق نفوسنا زاوية كانت وستبقى دوما وحشية، ولن يمكن تقاسمها إلا بين كائنين، كائنين فقط، أو أنها لن تقتسم على الإطلاق. هذه الزاوية الوحشية المتوحدة هي أفضل ما فينا.»
ليس هناك من بين هذه الرسائل التسعين رسالة واحدة لم تكن اعترافا أو عطاء. أقرؤها وأقرأ تلك التي وصلتني منه بعد ذلك. خمسون عاما مضت ولا أكاد أصدق ذلك إلا بصعوبة. أمن الممكن يا طه أنني كنت محبوبة على هذا النحو وأنني كنت المقصودة بهذا السيل من الحنان والعاطفة؟! لست في المعادي على الإطلاق، وليس عمري ثمانين عاما. وعندما أغلق لفة الرسائل التي ربما تناولتها غدا من جديد، أشعر أنني نشوى، خارج الزمن الحاضر، وخارج العالم.
هذا القدر من الحب الذي كان علي أن أحمله وحدي، وحدي، عبئا رائعا، ما أكثر ما خفت ألا أتمكن من القيام بمتطلباته بجدارة!
من أين جئت أنت إذن؟ أنت الأقرب إلى نفسي، من أين جئت؟ وهل سيسمح لي الله أن ألقاك حيث أنت؟
للمرة الأولى، والوحيدة، لم نكن معا في ذكرى زواجنا. كانت رسالتك يومها مفعمة جلالا: «أبي حاجة إلى القول أني أحبك؟! إني لأقولها لك مع ذلك وإنه لعهد لك مني جديد.»
ولما كنا متحابين، فإننا سوف نسير من جديد، أقوياء بهذا الحب نحو المستقبل الذي ربما سيشبه الماضي، أو لعله سيكون أفضل منه أو ربما سيكون أسوأ منه، ولكن ما همنا؟! سوزان، لنتابع المسير، أعطيني يدك. «أعطيني يدك.» لقد طلبها مني أيضا في الليلة الأخيرة، يدي، ولكني لم أذهب معه. •••
كنت قد أبحرت على سفينة «سفنكس» مع الطفلين. وفي العشرين من سبتمبر
84
Bog aan la aqoon