370

وأما علمه فلم يختلف فيه اثنان، [و] لم يبق فن إلا وقد بلغ فيه الغاية، وأدرك النهاية، وكفى بما حكاه عن نفسه، حيث قال: عزمت أن أسافر [إلى] الأهواز للقاء القاضي أبي أحمد بن أبي علان وسماع (مختصر الكرخي) عنه، فأخبرت الصاحب بما وقع في قلبي، وكتب [لي] كتابا بخط يده، فأطنب في وصفي، ورفع من قدري حتى كنت أستحيي من إيصال ذلك الكتاب، فوصل إلى القاضي المذكور، فقال: مرحبا بالشريف !! [فإذا افتتح المختصر فلتحضر] ولم يزد على ذلك، ولا زارني بنفسه مع تقاعدي عنه من الغد ولا أزارني أحدا من أصحابه، فعلمت أنه اعتقد في كتاب الصاحب أنه صدر لا عن عناية صادقة، فقعدت عنه حتى كان يوم الجمعة، فحضرت الجامع بعد الظهر، ومجلسه غاص بكبار العلماء؛ لأنه قد كان مقصودا من الآفاق، فسئل [القاضي أبو أحمد] عن مسألة كلامية.

و[قد] كان لقي أبا هاشم، فقلت لما توسط في الكلام: إن لي في هذا الوادي مسلكا، فقال: تكلم فأخذت في الكلام، وحققت عليه المطالب ثم أوردت أسئلة عرق فيها جبينه فامتدت الأعين نحوي.

فقلت بعد أن ظهرت المسألة: يقف على فصلي القاضي، وسئل شيخ إلى جنبه عن مسألة في أصول الفقه، فلما أنهى السائل ما عنده، قلت: إن لي في هذا الجو منفسا فقال القاضي: والأصول أيضا، فحققت تلك المسألة على ذلك الشيخ، فظهر ضعفه فسامحته، وسئل شيخ عن يساره عن مسألة في الفقه، فقلت: لي في هذا القطيع شاة، فقال : والفقه أيضا، فأوفيت الكلام في تلك المسألة حتى تعجب الفقهاء من تحقيقي وتدقيقي.

Bogga 73