Maathir Abrar
مآثر الأبرار
يسهل ما ألقى إلى الوجد أنني
مجاوره في داره اليوم أو غدا فارتجت البلد بالبكاء، وتكلم كل واحد بمبلغ علمه ورأيه، ثم زاد تكلم المرتضى -عليه السلام- ووعظهم كثيرا، ثم بايعه الناس غرة المحرم سنة تسع وتسعين ومائتين، وأقام بصعدة، وفي يده بلد همدان، وخولان، ونجران، وأقام على ذلك مديدة، وسير جنوده لقتال القرامطة، فقتلوهم في كل فج، واستقامت له الأمور حتى إذا دخل شهر ذي القعدة من السنة المذكورة، وجمع وجوه العشائر قبله، وعاب عليهم أشياء كرهها منهم، وعزم على الاعتزال والتخلي من الأمر، وقال في خطبة خطبها عند ذلك: ثم إنكم -معاشر المسلمين- أقبلتم إلي عند وفاة الهادي رضي الله عنه [وأرضاه]، وأردتموني أقبل بيعتكم، فامتنعت ودافعت، ولم أسلم من إجابتكم إلى ما طلبتم مني خوفا من استيلاء القرمطي -لعنه الله- على بلادكم، وتعرضه للضعفاء والأيتام والأرامل منكم، فأجريت أموركم على ما كان الهادي يجريها، ولم ألتبس بشيء من عرض دنياكم، ولا تناولت قليلا ولا كثيرا من أموالكم، فلما أخزى الله القرمطي، {وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا}[الأحزاب:25] تدبرت أمري وأمركم، ونظرت فيما أتعرفه من أخلاقكم، فوجدت أموركم تجري على غير سننها، وألفيتكم تميلون إلى الباطل، وتنفرون عن الحق، إلى أن قال: وذلك بعد رجوعي إلى كتاب الله سبحانه، واشتغال خاطري بتدبير آياته، وإعمال فكري ونظري في أوامره، وزواجره، ومحكمه، ومتشابهه، وخاصه، وعامه، وأمره ونهيه، وناسخه ومنسوخه، فوجدته يوجب علي التبري من هذا الأمر إيجابا محكما، ويلزمني تركه إلزاما قطعا، فاتبعت عند ذلك أمر الله، ونزلت عند حكمه فإن تقم لله عز وجل علي بعد ذلك حجة، ووجدت على الحق أعوانا، وفي الدين إخوانا، قمت لأمر الله طالبا لثوابه، حاكما بكتابه، وإن لم أجد على ذلك أعوانا صالحين، وإخوانا لأمر الله متبعين، لم أدخل بعد اليقين في الشبهة، ولم أتلبس بما ليس لي عند الله [فيه] حجة، وكنت في ذلك كما قال الله تعالى:{فتول عنهم فما أنت بملوم }[الذاريات:54] إلى آخرها، ثم اعتزل الأمر وخلا بربه، وآثر عبادته على كل شيء، وصرف عماله من بلد همدان وخولان وغيرهما،ولزم منزله في صعدة، وأقام بعض بني عمه يصلح بين الناس، وكان أخوه الناصر في الحجاز، فقدم بعد ذلك، وأشار المرتضى عليه بالقيام [بالأمر] فقام به.
قال مصنف سيرة الناصر : كنت أتصل بالإمام المرتضى، وأتكلم بما أحب بين يديه، وكنت أشرح له أخبار الناس وأحوالهم، وما قد يداخلهم من السرور؛ لأجل توقفه، فيقول: أبشر أظلك [الله] الذي تطلب، ودنا منك ما فيه مرغب.
Bogga 39