وحنى إسفينيس هامته، ثم ارتد بظهره راجعا، وعند منتصف البهو اعترض سبيله إنسان ما، فقبض على ذراعه، والتفت إسفينيس إلى صاحب اليد الغليظة، فرأى رجلا في الثياب العسكرية الفخمة، جميل العثنون غليظ الشاربين منتفخ الأوداج، دل احتقان الدم بوجهه وبريق الجنون في نظرة عينيه على شدة سكره، وقد حيا مولاه وقال: إنه ليسر مولاي من غير شك أن يشاهد فنون القتال الباسل في الحفلات القومية، كما تقضي به تقاليدنا المقدسة، وإني أدخر لذات مولاي المقدسة مبارزة دموية تسر الناظرين.
فقال الملك وهو يرفع كأسه إلى شفتيه الغليظتين: ما أجمل أن تراق دماء الفرسان على أرض هذا البهو لتنفض عن النفوس ما ران عليها من سأم، ولكن من السعيد الذي شرفته بعداوتك أيها القائد رخ؟
فأشار القائد الثمل إلى إسفينيس وقال: هذا غريمي يا مولاي.
فعجب الملك وعجب كثيرون من النبلاء، وسأله الملك: كيف استجلب غضبك هذا التاجر النوبي؟ - أنقذ امرأة فلاحة - تجاسرت على توجيه الإهانة إلى شخصي - من العقاب، بدفعه خمسين قطعة من الذهب بدلا منها.
فضحك الملك ضحكته العظيمة المجلجلة، وسأل القائد: ولكن أترضى أن يكون غريمك فلاحا؟ - أراه يا مولاي متين البنيان مفتول العضلات، فإذا لم يكن قلبه من قلوب الطير فإني أغضي عن وضاعة جنسه، مرضاة لمولاي ومشاركة في سرور العيد.
ولكن الحاكم خنزر لم يرض عن المبارزة، وقد رمق شقيقه القاضي سنموت بنظرة لوم، لأنه أدرك أنه هو الذي دل القائد على إسفينيس دون تقدير منه للموقف، وأشفق من أن يضيع سيف رخ عليه كنوز النوبة الثمينة، فدنا من القائد رخ وقال له بحزم: لا يجوز أن تخدش أوسمتك بمنازلة تاجر فلاح أيها القائد.
فقال رخ يقطع على الحاكم سبيله: إذا كان من العيب أن أقاتل فلاحا، فمن العار أن أترك عبدا يتحداني دون أن أنزل به العقاب الذي يستحقه .. ولما رأيت فرعون يمنح هذا التاجر عطفه، آثرت أن أنصفه وأن أتيح له فرصة للدفاع عن نفسه.
وظن من سمع قول القائد أنه حق وعدل، وتمنوا صادقين أن يقبل التاجر النزال ليشهدوا المبارزة وليتموا سرورهم بالعيد، وكان إسفينيس يكابد حيرة شديدة لا يجد لنفسه منها مخرجا، وكان يشعر بتلهف القوم على استماع كلمته، ويحس نظرة التحدي والاحتقار التي يصوبها نحوه القائد الثمل العنيد، فيغلي الدم في عروقه، ثم يذكر نصائح توتيشيري ولاتو، وكيف أن قتله هذا القائد الفظ قد يضيع من يديه الثمرة الدانية القطوف، ويفوت على أسرته الفرصة السانحة، فيبرد دمه وتخذله عزيمته، رباه .. لا محيد عن النكوص، ولا محيص عن الهرب، سيتهكم به القائد، وترمقه الأعين بالاحتقار، ويفارق المكان منكس الذقن كسير الفؤاد، ولكن يظفر بغرضه الأسمى، وهنا سمع القائد يقول له: لقد تحديتني أيها الفلاح، فهل تستطيع مواجهتي؟
فسكت إسفينيس شاعرا بانهيار وتخاذل، وسمع صوتا يقول: «دعوا الشاب إنه لا يعرف القتال»، وقال صوت آخر: «دعوا الشاب فإن الفارس يقاتل بنفسه لا بجسمه ...» فدخله الحنق، وأحس يدا توضع على كتفه وصوتا يقول له: «لست فارسا ولا عار عليك إذا اعتذرت»، فنظر فرأى خنزر، فشعر بقشعريرة تسري في أعضائه من لمس اليد التي فتكت بجده، ولاحت منه نظرة في تلك اللحظة الراهبة نحو العرش فرأى الأميرة أمنريدس تنظر نحوه باهتمام، فغلبه الغضب وفقد وعيه، فقال بصوت مسموع: إني أشكر القائد على نزوله لمبارزتي، وأقبل اليد التي يمدها لي.
وسرى الفرح في النفوس، وضحك الملك وشرب كأسا أخرى، وتطلعت الرءوس من كل حدب وصوب للغريمين، وبدا الارتياح على وجه القائد وابتسم ابتسامة التشفي والانتقام، ثم سأل إسفينيس: هل تضارب بالسيف؟
Bog aan la aqoon