Khariidadda Aqoonta
خريطة المعرفة: كيف فقد العالم أفكار العصر الكلاسيكي وكيف استعادها: تاريخ سبع مدن
Noocyada
كتب طبيب يدعى المعلم كوفو أقدم سجل لهذا النوع من التشريح، وكان «طريق الشفاء» أول نص من مجموعة مؤلفة من أربعة نصوص تتناول هذا الموضوع، وأكثرها بدائية، وأصبحت تعرف مجتمعة باسم «تشريح الخنزير». كان النص الثاني أكثر تفصيلا واعتمد بشدة على التشريح الجالينوسي كما ترجم في كتاب قسطنطين «الكليات». بقيت نسخ عديدة من هذه المخطوطات وظل الطلاب يستخدمونها مقدمة للتشريح، حتى بعد أن أحدث عمل فيزاليوس على الجثث البشرية تغييرا في الموضوع في القرن السادس عشر. تبين هذه الإيضاحات التشريحية أن الأطباء الساليرنيين كانوا ينظرون في الطبيعة بأنفسهم، ولم يكونوا يعتمدون دون تبصر على المعلومات المحدودة التي وصلت إليهم من بيزنطة والإسكندرية، وكانوا يرجعون إلى الطرق القديمة، وبخاصة الجالينوسية، في الدراسة. كان نص «تشريح الخنزير» هو بالأساس عبارة عن تسجيلات خطية لمحاضرات ألقاها معلمون ساليرنيون وهم يشقون جثث الخنازير أمام فصل دراسي مليء بالطلاب. من الواضح، إذن، أن الأطباء، بحلول منتصف القرن الثاني عشر، كانوا يدرسون التشريح بوصفه جزءا من تدريبهم. غير أن مما يسترعي الانتباه حقا أنه، في التاريخ الطويل للتشريح، لم يكن ثمة تشريح رسمي لإنسان بين العامين 150ق.م و1315 ميلادية، عندما أجري التشريح لأول جثة على الملأ في جامعة بولونيا. غير أنه في زمن قسطنطين، كانت عمليات تشريح الجثث لاكتشاف سبب الوفاة قد أصبحت شبه شائعة، على الأقل في إيطاليا. وفي عام 1231، أعلن الإمبراطور الروماني المقدس، فريدريك الثاني، أنه يجب تشريح الجثث البشرية على الملأ مرة واحدة على الأقل كل خمسة أعوام. وسواء حدث ذلك بالفعل أم لم يحدث فهو مسألة أخرى. ومن المثير للاهتمام أن النفور الطبيعي لدى المجتمع من ممارسة كهذه قد قلل من حدته الحاجة إلى إعداد جثث القتلى من الصليبيين، حتى يمكن إعادة قلوبهم إلى الديار لدفنها. فمن الممكن أن يؤدي استخدام حيوانات مثل الخنازير والقردة العليا إلى إقصاء الطبيب عن التشخيص السليم فحسب، كما بين جالينوس ومختصو التشريح الساليرنيون. والسبيل الوحيد إلى اكتشاف أسرار الجسم البشري والأمراض التي تستنزفه هو فتحه والنظر داخله، ولكن هذا لم يصبح النهج السائد إلا في عصر النهضة.
في الوقت الذي أصبح فيه لكتاب «الكليات» أهمية دائمة، وصار متداولا بسرعة خارج ساليرنو، كان من شأن تراجم قسطنطين لكتاب «إيساغوجي» أن تصبح أكثر تأثيرا، لا سيما عندما مزجت، في القرن الثالث عشر، بترجمة جديدة لكتابي أبقراط «الفصول» و«تقدمة المعرفة»، وتعليقات جالينوس عليهما وأطروحتين بيزنطيتين، واحدة عن البول وأخرى عن النبض.
9
شكلت هذه المجموعة من النصوص، والتي عرفت باسم «أرتيسيلا»، المنهج الدراسي الطبي لأوروبا الغربية على مدى السنوات الخمسمائة التالية. استندت هذه المجموعة من النصوص إلى التقليد الطبي القائم، مضيفة إليه معلومات مفصلة تشكل وحدة كاملة تحولت إلى فرع من فروع المعرفة منظما تنظيما هيكليا منضبطا. كان كتاب «إيساغوجي»، أول نص طبي عربي يترجم إلى اللاتينية، هو حجر الزاوية لمجموعة «أرتيسيلا». كان الكتاب، الذي ترجمه قسطنطين أثناء عيشه في ساليرنو، عبارة عن نسخة معدلة من كتاب جالينوس «فن الطب»، الذي قدمه حنين بن إسحاق وعنونه باسم «مسائل في الطب»؛ فكان يشكل خط انتقال مباشر، ولكنه، مثل كتاب «الكليات »، عبارة عن مختارات متفرقة، وليس ترجمة شاملة. ومجددا، كان قسطنطين قاسيا في تعامله مع المصدر العربي. فحذف الحوار؛ إذ كان نص حنين معتمدا على أسئلة وأجوبة، واستعاض عنه بهيكل على شكل قائمة هو أنسب لإلقاء المحاضرات. كذلك أغفل في ترجمته بعض الأقسام وعدل بعضها الآخر على نحو بالغ حتى إنها لم تعد ذات معنى على الإطلاق. لعل ذلك كان يشكل أهمية لثقافة ذات تقليد متطور لدراسة الطب، ولكن من المؤكد أنه لم يشكل عائقا أمام مسار كتاب «إيساغوجي» في أوروبا.
10
فالمعلومات غير الدقيقة كانت أفضل من عدم وجود معلومات على الإطلاق، وسرعان ما انتقلت النسخ من مدينة إلى مدينة؛ فبحلول عام 1150 كان الباحثون في مدينة شارتر يكتبون بالفعل تعليقات عليها، وبحلول عام 1270، اعتمدت أساسا للمدارس الطبية في جامعتي باريس ونابولي، وغيرهما.
بينما كان قسطنطين مشغولا بمشروعه الطموح للترجمة، كان ألفانو يتعامل مع التغييرات المزلزلة على الساحة السياسية في ساليرنو؛ تغييرات من شأنها أن يكون لها عواقب وخيمة على انتقال المعرفة إلى بقية أوروبا الغربية. ليس واضحا توقيت مغادرة قسطنطين للمدينة طلبا للسلام الذي كانت تنعم به مونتيكاسينو، ولكن من المحتمل جدا أن ذلك كان نتيجة للقوة الجديدة التي أضحت مؤثرة؛ وهم النورمانديون، الذين غزوا ساليرنو واستولوا عليها في عام 1077، بعد حصار وحشي. كانت فترة حافلة لهؤلاء القوم الطموحين المفعمين بالنشاط، المنحدرين من نسل غزاة الفايكينج الذين كانوا قد استقروا في شمال فرنسا قبل ذلك ببضعة قرون. في ستينيات القرن الحادي عشر، عندما بدأ ويليام الفاتح التطلع بتعطش صوب الشمال، عبر القناة، نحو بريطانيا، كان كثيرون من رفاقه النورمانديين قد مضوا جنوبا للقتال بصفتهم مرتزقة لصالح اللومبارديين، الذين كانوا يحاولون الظفر بالاستقلال عن البيزنطيين في جنوب إيطاليا. كان الفرسان النورمان يتمتعون بمهارة قتالية وثبتت فائدتهم الكبيرة لمستخدميهم؛ إذ ساعدوهم على مقاومة البيزنطيين والانتصار في الحملة. فكافأهم اللومبارديون بأراض، وبدءوا في اتخاذ بينيفنتو وكالابريا موطنا لهم؛ فاستقروا هناك وأقاموا علاقات مصاهرة مع السكان المحليين واندمجوا في المجتمع المحلي وشكلوا معاقلهم الخاصة بهم . وفي موقف تجلى مرات كثيرة في التاريخ، تحول المنقذون إلى معتدين، وأخيرا صاروا غزاة محتلين. ولم يمض وقت طويل حتى أسند إلى الفرسان النورمان مهمة حماية البابا نفسه، الذي كافأ قائدهم روبرت جيسكارد، في عام 1059، بمنحه دوقيات أبوليا وكالابريا وصقلية. بدلت هذه المنحة تأثير النورمان؛ فمنذ ذلك الحين فصاعدا، كان واضحا تماما أنهم لم يأتوا للاستقرار فحسب، وإنما ليحكموا. وكان جيسكارد، الابن السادس بين اثني عشر ابنا لتانكريد هوتفيل، الذي كان نبيلا نورمانيا غير ذي أهمية، يلقب ب «الماكر» أو «الثعلب».
11
وقد وصفته المؤرخة البيزنطية (والأميرة) آنا كومنينا كما يلي:
إنه صاحب شخصية متعجرفة وعقل في غاية الخسة؛ كان مقاتلا جسورا، بارعا جدا في هجماته على ثروة رجال عظام ونفوذهم؛ لا رادع لمساعيه من أجل تحقيق غاياته، يدفع عن نفسه النقد بحجة لا تقبل الجدل. كان رجلا ضخم الجثة، على نحو يفوق حتى أكبر الرجال بنية؛ وكان ذا بشرة متوردة، وشعر أشقر، وكتفين عريضتين، وعينين تكادان تقذفان الشرر ... يقولون إن صيحة روبرت كانت تجعل عشرات الآلاف يفرون.
Bog aan la aqoon