172

ما أجد في نفسي من أمر الدنيا شيئا إلا أني لم أقاتل الفئة الباغية مع علي بن أبي طالب،

فأشكل عليه أمر علي (عليه السلام) وبايع معاوية ويزيد ابنه، وحث ولده وأهله على لزوم طاعة يزيد والاستمرار على بيعته وقال: لا يكون أصعب من نقضها إلا الإشراك، ومن نقضها كانت صيلم بيني وبينه، وذلك حين قام الناس مع ابن الزبير، وقد تقدم ذكر هذا، وحاله حين جاء إلى الحجاج ليأخذ بيعته لعبد الملك معلوم، والحجاج قتله في آخر الأمر بأن دس عليه في رخام من جرح رجله بحربة مسمومة، والغرض في جمع هذا الكتاب غير هذا.

وروى الواحدي في تفسيره أن عليا (عليه السلام) آجر نفسه ليلة إلى الصبح يسقي نخلا بشيء من شعير، فلما قبضه طحن ثلثه واتخذوا منه طعاما، فلما تم أتى مسكين فأخرجوا إليه الطعام وعملوا الثلث الثاني، فأتاهم يتيم فأخرجوا الطعام إليه وعملوا الثلث الثالث، فأتاهم أسير فأخرجوا الطعام إليه وطوى [1] علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، وعلم الله حسن مقصدهم وصدق نياتهم، وإنهم إنما أرادوا بما فعلوه وجهه، وطلبوا بما أتوه ما عنده، والتمسوا الجزاء منه عز وجل فأنزل الله فيهم قرآنا، وأولاهم من لدنه إحسانا، ونشر لهم بين العالمين ديوانا، وعوضهم عما بذلوا جنانا، وحورا وولدانا، فقال: ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا @HAD@ [2] إلى آخرها، وهذه منقبة لها عند الله محل كريم، وجودهم بالطعام مع شدة الحاجة إليه أمر عظيم، ولهذا تتابع فيها وعده سبحانه بفنون الألطاف وضروب الأنعام والأسعاف.

وقيل: إن الضمير في حبه يعود إلى الله تعالى وهو الظاهر. وقيل: إلى الطعام .

واعلم أن أنواع العبادة كثيرة وهي متوقفة على قوة اليقين بالله تعالى وما عنده، ما أعده لأوليائه في دار الجزاء، وعلى شدة الخوف من الله تعالى وأليم عقابه نعوذ بالله منه.

وعلي (عليه السلام) القائل: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا،

فشدة يقينه دالة على قوة دينه، ورجاحة موازينه، وقد تظاهرت الروايات أنه لم يكن نوع من أنواع العبادة والزهد والورع وحظه منه وافر الأقسام، ونصيبه منه تام بل زائد على التمام، وما اجتمع الأصحاب على خير إلا كانت له رتبة الإمام، ولا ارتقوا قبة مجد إلا وله ذروة

Bogga 177