Al-Kamil fi al-Taarikh
الكامل في التاريخ
Tifaftire
عمر عبد السلام تدمري
Daabacaha
دار الكتاب العربي
Daabacaad
الأولى
Sanadka Daabacaadda
١٤١٧هـ / ١٩٩٧م
Goobta Daabacaadda
بيروت - لبنان
ذِكْرُ خَبَرِ مَدِينَةِ الْحَضْرِ
كَانَتْ بِجِبَالِ تَكْرِيتَ بَيْنَ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ مَدِينَةٌ يُقَالُ لَهَا الْحَضْرُ، وَكَانَ بِهَا مَلِكٌ يُقَالُ لَهُ السَّاطِرُونَ، وَكَانَ مِنَ الْجَرَامِقَةِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّيهِ الضَّيْزَنَ، وَهُوَ مِنْ قُضَاعَةَ، وَكَانَ قَدْ مَلَكَ الْجَزِيرَةَ وَكَثُرَ جُنْدُهُ، وَإِنَّهُ تَطَرَّقَ بَعْضَ السَّوَادِ إِذْ كَانَ سَابُورُ بِخُرَاسَانَ، فَلَمَّا عَادَ سَابُورُ أُخْبِرَ بِمَا كَانَ مِنْهُ، فَسَارَ إِلَيْهِ وَحَاصَرَهُ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَقِيلَ: سَنَتَيْنِ، لَا يَقْدِرُ عَلَى هَدْمِ حِصْنِهِ وَلَا الْوُصُولِ إِلَيْهِ.
وَكَانَ لِلضَّيْزَنِ بِنْتٌ تُسَمَّى النَّضِيرَةُ، فَحَاضَتْ، فَأُخْرِجَتْ إِلَى رَبَضِ الْمَدِينَةِ، وَكَذَلِكَ كَانَ يُفْعَلُ بِالنِّسَاءِ، وَكَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ النِّسَاءِ، وَكَانَ سَابُورُ مِنْ أَجْمَلِ النَّاسِ، فَرَأَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ فَتَعَاشَقَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ: مَا تَجْعَلُ لِي إِنْ دَلَلْتُكَ عَلَى مَا تَهْدِمُ بِهِ سُورَ الْمَدِينَةِ؟ فَقَالَ: أُحَكِّمُكِ وَأَرْفَعُكِ عَلَى نِسَائِي. فَقَالَتْ: عَلَيْكَ بِحَمَامَةٍ وَرْقَاءَ مُطَوَّقَةٍ فَاكْتُبْ عَلَى رِجْلِهَا بِحَيْضِ جَارِيَةٍ بِكْرٍ زَرْقَاءَ، ثُمَّ أَرْسِلْهَا فَإِنَّهَا تَقَعُ عَلَى سُورِ الْمَدِينَةِ فَيُخَرَّبُ، وَكَانَ ذَلِكَ طَلْسَمَ ذَلِكَ الْبَلَدِ. فَفَعَلَ وَتَدَاعَتِ الْمَدِينَةُ، فَدَخَلَهَا عَنْوَةً وَقَتَلَ الضَّيْزَنَ وَأَصْحَابَهُ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ يُعْرَفُ الْيَوْمَ، وَأَخْرَبَ الْمَدِينَةَ وَاحْتَمَلَ النَّضِيرَةَ فَأَعْرَسَ بِهَا بِعَيْنِ التَّمْرِ، فَلَمْ تَزَلْ لَيْلَتَهَا تَتَضَوَّرُ، فَالْتَمَسَ مَا يُؤْذِيهَا فَإِذَا وَرَقَةُ آسٍ مُلْتَزِقَةٌ بِعُكْنَةٍ مِنْ عُكَنِ بَطْنِهَا، فَقَالَ لَهَا: مَا كَانَ يَغْذُوكِ بِهِ أَبُوكِ؟ قَالَتْ: بِالزُّبْدِ وَالْمُخِّ وَشَهْدِ الْأَبْكَارِ مِنَ النَّحْلِ وَصَفْوِ الْخَمْرِ. فَقَالَ: وَأَبِيكِ لَأَنَا أَحْدَثُ عَهْدًا بِكِ وَآثَرُ لَكِ مِنْ أَبِيكِ! فَأَمَرَ رَجُلًا فَرَكِبَ فَرَسًا جَمُوحًا ثُمَّ عَصَبَ غَدَائِرَهَا بِذَنَبِهِ ثُمَّ اسْتَرْكَضَهَا فَقَطَّعَهَا قِطَعًا، وَقَدْ أَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ ذِكْرَ الضَّيْزَنِ فِي أَشْعَارِهِمْ.
1 / 354