ويومئ الفيلسوف إلى مناظر المحاكاة فيقول: إن المحاكاة تضحكنا لأنها عمل يشبه عمل الآلات، وتضحكنا لأنها تلفت النظر إلى الغفلة أو التناقض في الإنسان المحكي لأنه شبيه بالآلات، وإذا رأينا وجهين يتشابهان تشابها تاما ضحكنا؛ لأننا نتصور أنهما مصنوعان في قالب واحد كما تصنع الوجوه التمثيلية.
ويضحكنا أن يتحكم الجسد في العقل والإرادة تحكما غير مناسب للموقف الحاضر، فنضحك من الخطيب الذي تغلبه الحماسة والعطاس في وقت واحد، ويضحكنا أن نرى أمامنا أحدا يطبق على الأحياء أحكام الآلات، وهذا هو سر ضحكنا من الطبيب الذي يقول للمريض: إن موته باطل. لأنه لم يجر على وفاق الأصول المتبعة.
ويضحكنا الرجل الذي تتكرر في كلامه لازمة محفوظة نتوقعها فنضحك حين نسمعها.
وهذا المثل من أمثلة برجسون جدير بالانتباه إليه؛ لأنه يرجح رأيه على آراء القائلين بشرط المفاجأة في الضحك.
فالرجل الذي يكرر لازمة واحدة يضحكنا حين نسمع ما ننتظره منه، فلا يقال إذن إنه يضحكنا بالمفاجأة، بل يصح فيه رأي برجسون وهو الرأي الذي خلاصته أن المضحك من أعمال الإنسان هو الذي ينساق فيه انسياق الآلات. •••
ونحن نستدرك ما يستدرك من هذه الآراء في أثناء تلخيصه، وقبل الانتقال إلى التعقيب الأخير عليه؛ لأننا نحب أن ننتهي إلى النتيجة خالصة من الاعتراض والاستدراك خالية من اللبس ودواعي الإطالة في المناقشة والتمحيص.
والمثل الذي يجب الانتباه إليه من أمثلة برجسون يرجح رأيه على رأي القائلين بالمفاجأة لأول وهلة، ولكنه لا يلبث أن يعود بنا إلى القول بالمفاجأة من جانب آخر.
فمشابهة الآلات هي في ذاتها مفاجأة مستغربة من الآدميين العقلاء؛ ولهذا يتفق القولان ولا يتناقضان. ويجوز أن يقال إن المفاجأة ومشابهة الآلة شيء واحد، وإن مشابهة الآلة باب من أبواب المفاجأة لا يستوعبها ولا يمنع الضحك من غيرها.
وأما الضحك من تكرار اللازمة التي ننتظرها فهو لا يدل قطعا على نفي المفاجأة أو على الضحك من الشيء لأنه منتظر ... بل هو نوع من استعادة الضحك السابق كما نبتسم عندما يمر بخاطرنا تمثيل دور مضحك شهدناه من قبل ونود أن نعيده ونتملاه من جديد.
وهذا المثل - بالذات - أصلح الأمثلة لتوضيح الحقيقة في هذا الخلاف.
Bog aan la aqoon