قالت السيدة متضاحكة: ليكن صاحبنا أوزة أو دجاجة أو ما شئت من ذوات الأجنحة والريش، ولكن حدثني عن هذا البدع الذي أخذت فيه منذ حين، فقد جعلت لا أسألك عن أحد إلا ضربت له من الحيوان مثلا. قلت: وأي بدع في ذلك يا سيدتي؟ إنما هو فن قديم من فنون الأدب، أليس العرب قد شبهوا الإنسان بالحيوان منذ أول الدهر! أليس الله - عز وجل - قد شبه بعض الناس بالكلب الذي إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث؟ أليس الله - عز وجل - قد ضرب الحمار الذي تحمل عليه الأسفار مثلا للذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها؟ أولست قد حدثتك آنفا بقصة ابن شهيد مع أوزته تلك الأندلسية حين حاورها في روضة من رياض الجن بمحضر من زهير بن نمير، وبمشهد من الحمير والبغال التي كانت تنشده أشعارها؟ فما تنكرين من ذلك، والله لم يخلق الأشياء عبثا، وإنما جعل فيها لنا منافع، ودعانا إلى أن نعتبر بكل ما خلق من الحي والميت، وأن نلتمس فيه الموعظة التي تبصر القلوب، والحكمة التي تهدي العقول.
قالت السيدة، وقد ثابت إلى الجد، وكانت أدبية أريبة تحفظ الحديث، وتقرأ القرآن: هذا حق، واقرأ إن شئت قول الله - عز وجل - في سورة النحل:
والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون * ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون * وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم * والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون * وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين .
الغانيات
- من أين أقبلت يا ابنتي؟ - من حيث لا تبلغ الظنون ... - ماذا تريدين يا ابنتي؟ - أريد ما لا تقدرون ... - كيف تقولين يا ابنتي ... - أقول ما لا تصدقون! - أسرفت في الرمز يا ابنتي. - بل ما لكم كيف تحكمون!
وينظر الشيخ حوله فلا يرى من يحاوره، وينكر الشيخ نفسه لولا شكوك تساوره، فقد رأى شخصها الجميل، تظله هذه الغصون، ولم يزل صوتها الضئيل، يثير في نفسه الشجون، وكانت الشمس قد تولت كالأمل الخائب الكذوب، وظلمة الليل قد أظلت، كاليأس إذ يغمر القلوب.
وقد لبث الشيخ مكانه قائما واجما، يرفع رأسه إلى السماء حينا، ويخفض رأسه إلى الأرض حينا آخر، ويقلب طرفه في الفضاء بين ذلك، يلتمس هذه الفتاة الأنيقة الرشيقة ذات الوجه النضر والقد المعتدل، هذه التي بدت له رائعة بارعة على أنها لم تتخذ زينة ولا حليا، ولم تتخذ من الثياب ما تعودت الفتيات الحسان اتخاذه، وإنما بدت له ساحرة باهرة تحيط بها هالة من الفتنة الفاتنة، على ما كان يستر جسمها الغض البض من ثوب هو إلى السذاجة القروية أدنى منه إلى تكلف المدن، وهو إلى البلى أدنى منه إلى الجدة.
فلما رآها أنكرها، ثم دار بينه وبينها هذا الحوار الذي ابتدئ به هذا الحديث، والذي لم يفهم منه شيئا، والذي كان يريد أن يمضي فيه حتى يعلم من الفتاة علمها، ويظهر على جلية أمرها، ولكنه ينظر فلا يراها، ويدعو فلا يسمعها، ويبحث فلا يجدها، فيلبث في مكانه حائرا مرتاعا يكاد يكذب عينه فيما رأت، وأذنه فيما سمعت لولا أن صورتها تلح على نفسه فتملؤها جمالا وسحرا، ولولا أن صوتها يلح على قلبه فيشيع فيه طربا حزينا.
وقد طال وقوف الشيخ، وطالت حيرته، وأخذت الظلمة تغمر الأشياء من حوله، وكان خليقا أن ينسى نفسه في موقفه هذا الغريب، لولا أنه سمع ذلك الصوت الضئيل العذب يقول له: أسرع أيها الشيخ إلى صلاتك فقد أوشكت أن تفوتك، وأوشك المؤذن أن يدعو إلى العشاء الثانية. لا تبحث عني فلن تراني من ليلتك هذه.
ولم يكد الشيخ يسمع هذا الصوت حتى ثاب إلى نفسه، وثابت نفسه إليه، وذكر أنه قطع حديثه مع الباشا فجأة، وانصرف عنه عجلا؛ ليشهد صلاة المغرب والعشاء مع جماعة الناس كما تعود أن يشهدها في مسجد القرية الذي يقوم في طرف من أطرافها غير بعيد من القصر، وإنه ليسعى في طريقه إلى المسجد، وإذا هذه الفتاة تتراءى له من بين هذه الشجرات التي تقوم عند آخر الحديقة، وتمد أغصانها متكاثفة مختلطة، كأنها تريد أن تتخذ منها للقصر ستارا جميلا صفيقا، وقد أسرع الشيخ إلى صلاته، وهو يحدث نفسه بأنه سيؤديها منفردا، وسيؤدي العشاء الثانية مع جماعة الناس، ولكن الصوت الجميل الضئيل كان يتبعه قائلا له لا تذكرني لأحد، ولا تتحدث عني إلى أحد، فإنك إن فعلت لم تجن من ذلك إلا شرا، ولا يستطيع الشيخ أن ينكر أن ظهور هذه الفتاة له، واحتجابها عنه، وتحدثها إليه، وتشييعها له، كل ذلك قد ملأ قلبه فرقا، لم يسكت عنه إلا حين دخل المسجد، واستقبل القبلة مقيما للصلاة، ولو أطاع الشيخ نفسه لتحدث إلى أصحابه بعد أن فرغوا من صلاة العشاء الآخرة بما رأى وما سمع، ولكنه كان كلما هم بذلك أو بشيء منه رد نفسه عنه ردا عنيفا مخافة أن يظن الناس به الظنون من جهة، ومخافة هذا النذير الذي ألقته الفتاة إليه من جهة أخرى.
Bog aan la aqoon