915

قريب ثراه ما ينال عدوه

له نبطا آبي الهوان قطوب

يعني بالنبط: الماء المستنبط. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم } يقول: ولو سكتوا وردوا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى أولى أمرهم حتى يتكلم هو به، { لعلمه الذين يستنبطونه } يعني عن الأخبار، وهم الذين ينقرون عن الأخبار. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم } يقول: إلى علمائهم، { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } لعلمه الذين يفحصون عنه، ويهمهم ذلك. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: { ولو ردوه إلى الرسول } حتى يكون هو الذي يخبرهم، { وإلى أولى الأمر منهم }: أولي الفقه في الدين والعقل. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: { ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم }: يتتبعونه ويتحسسونه. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا ليث، عن مجاهد: { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } قال: الذين يسألون عنه ويتحسسونه. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { يستنبطونه } قال: قولهم: ما كان؟ ماذا سمعتم؟ حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: { الذين يستنبطونه } قال: يتحسسونه. حدثني محمد بن سيعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه عن ابن عباس: { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } يقول: لعلمه الذين يتحسسونه منهم.

حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { يستنبطونه منهم } قال: يتتبعونه. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به }... حتى بلغ: { وإلى أولى الأمر منهم } قال: الولاة الذين يكونون في الحرب عليهم الذين يتفكرون فينظرون لما جاءهم من الخبر أصدق أم كذب؟ أباطل فيبطلونه، أو حق فيحقونه؟ قال: وهذا في الحرب، وقرأ: { أذاعوا به ولو } فعلوا غير هذا و { ردوه } إلى الله و { إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم }... الآية. القول في تأويل قوله تعالى: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطن إلا قليلا }. يعني بذلك جل ثناؤه: ولولا إنعام الله عليكم أيها المؤمنون بفضله وتوفيقه ورحمته، فأنقذكم مما ابتلى هؤلاء المنافقين به، الذين يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم بأمر: طاعة، فإذا برزوا من عنده بيت طائفة منهم غير الذي تقول، لكنتم مثلهم، فاتبعتم الشيطان إلا قليلا، كما اتبعه الذين وصف صفتهم. وخاطب بقوله تعالى ذكره: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطن } الذين خاطبهم بقوله جل ثناؤه: { يأيها الذين ءامنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا }. ثم اختلف أهل التأويل في القليل الذي استثناهم في هذه الآية، من هم، ومن أي شيء من الصفات استثناهم؟ فقال بعضهم: هم المستنبطون من أولي الأمر، استثناهم من قوله: { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ونفي عنهم أن يعلموا بالاستنباط ما يعلم به غيرهم من المستنبطين من الخبر الوارد عليهم من الأمن أو الخوف. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: إنما هو لعلمه الذين يستنبطونه منهم، إلا قليلا منهم، ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطن إلا قليلا } يقول: لاتبعتم الشيطان كلكم. وأما قوله: { إلا قليلا } فهو كقوله: { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } إلا قليلا. حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك قراءة عن سعيد، عن قتادة: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطن إلا قليلا } قال: يقول: لاتبعتم الشيطان كلكم وأما { إلا قليلا } فهو كقوله: { لعلمه الذين يستنبطونه منهم... إلا قليلا }. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج نحوه، يعني نحو قول قتادة، وقال: لعلموه إلا قليلا.

وقال آخرون: بل هم الطائفة الذين وصفهم الله أنهم يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم طاعة، فإذا برزوا من عنده بيتوا غير الذي قالوا. ومعنى الكلام: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به، إلا قليلا منهم. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطن } فانقطع الكلام، وقوله: { إلا قليلا } فهو في أول الآية يخبر عن المنافقين، قال: { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به } إلا قليلا، يعني بالقليل المؤمنين، يقول الحمد لله الذي أنزل الكتاب عدلا قيما، ولم يجعل له عوجا. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: هذه الآية مقدمة ومؤخرة، إنما هي: أذاعوا به إلا قليلا منهم، ولولا فضل الله عليكم ورحمته لم ينج قليل ولا كثير. وقال آخرون: بل ذلك استثناء من قوله: { لاتبعتم الشيطن } وقالوا: الذين استثنوا هم قوم لم يكونوا هموا بما كان الآخرون هموا به من اتباع الشيطان، فعرف الله الذين أنقذهم من ذلك موقع نعمته منهم، واستثنى الآخرين الذين لم يكن منهم في ذلك ما كان من الآخرين. ذكر من قال ذلك: حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سلمان، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطن إلا قليلا } قال: هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا حدثوا أنفسهم بأمور من أمور الشيطان، إلا طائفة منهم. وقال آخرون: معنى ذلك: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان جميعا. قالوا: وقوله: { إلا قليلا } خرج مخرج الاستثناء في اللفظ، وهو دليل على الجميع والإحاطة، وأنه لولا فضل الله عليهم ورحمته لم ينج أحد من الضلالة، فجعل قوله: { إلا قليلا } دليلا على الإحاطة. واستشهدوا على ذلك بقول الطرماح بن حكيم في مدح يزيد بن المهلب:

أشم كثير يدي النوال

قليل المثالب والقادحه

قالوا: فظاهر هذا القول وصف الممدوح بأن فيه المثالب والمعايب، ومعلوم أن معناه: أنه لا مثالب فيه ولا معايب لأن من وصف رجلا بأن فيه معايب وإن وصف الذي فيه المعايب بالقلة، فإنما ذمه ولم يمدحه، ولكن ذلك على ما وصفنا من نفي جميع المعايب عنه. قالوا: فكذلك قوله: { لاتبعتم الشيطن إلا قليلا } إنما معناه: لاتبعتم جميعكم الشيطان. وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي قول من قال: عنى باستثناء القليل من الإذاعة وقال: معنى الكلام: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلا، ولو ردوه إلى الرسول.

وإنما قلنا: إن ذلك أولى بالصواب لأنه لا يخلو القول في ذلك من أحد الأقوال التي ذكرنا، وغير جائز أن يكون من قول: { لاتبعتم الشيطن } لأن من تفضل الله عليه بفضله ورحمته فغير جائز أن يكون من تباع الشيطان، وغير جائز أن نحمل معاني كتاب الله على غير الأغلب المفهوم بالظاهر من الخطاب في كلام العرب، ولنا إلى حمل ذلك على الأغلب من كلام العرب سبيل فنوجهه إلى المعنى الذي وجهه إليه القائلون: معنى ذلك: لاتبعتم الشيطان جميعا، ثم زعم أن قوله: { إلا قليلا } دليل على الإحاطة بالجميع. هذا مع خروجه من تأويل أهل التأويل لا وجه له، وكذلك لا وجه لتوجيه ذلك إلى الاستثناء من قوله: { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } لأن علم ذلك إذا رد إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، فبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولو الأمر منهم بعد وضوحه لهم، استوى في علم ذلك كل مستنبط حقيقة، فلا وجه لاستثناء بعض المستنبطين منهم وخصوص بعضهم بعلمه مع استواء جميعهم في علمه. وإذ كان لا قول في ذلك إلا ما قلنا، ودخل هذه الأقوال الثلاثة ما بينا من الخلل، فبين أن الصحيح من القول في ذلك هو الرابع، وهو القول الذي قضينا له بالصواب من الاستثناء من الإذاعة.

[4.84]

Bog aan la aqoon