883

يعني بقوله: تيممت: تعمدت وقصدت، وقد ذكر أنها في قراءة عبد الله: «فأموا صعيدا». وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني عبد الله بن محمد، قال: ثنا عبدان، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: سمعت سفيان يقول في قوله: { فتيمموا صعيدا طيبا } قال: تحروا وتعمدوا صعيدا طيبا. وأما الصعيد، فإن أهل التأويل اختلفوا فيه، فقال بعضهم: هو الأرض الملساء التي لا نبات فيها ولا غراس ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { صعيدا طيبا } قال: التي ليس فيها شجر ولا نبات. وقال آخرون: بل هو الأرض المستوية. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: الصعيد: المستوي. وقال آخرون: بل الصعيد: التراب. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو بن قيس الملائي، قال: الصعيد: التراب. وقال آخرون: الصعيد: وجه الأرض. وقال آخرون: بل هو وجه الأرض ذات التراب والغبار. وأولى ذلك بالصواب قول من قال: هو وجه الأرض الخالية من النبات والغروس والبناء المستوية، ومنه قول ذي الرمة:

كأنه بالضحى يرمي الصعيد به

دبابة في عظام الرأس خرطوم

يعني: يضرب به وجه الأرض. وأما قوله طيبا، فإنه يعني به: طاهرا من الأقذار والنجاسات. واختلف أهل التأويل في معنى قوله: { طيبا } فقال بعضهم: حلالا. ذكر من قال ذلك: حدثني عبد الله بن محمد، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: سمعت سفيان يقول في قوله: { صعيدا طيبا } قال: قال بعضهم: حلالا.

وقال بعضهم بما: حدثني عبد الله، قال: ثنا عبدان، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج قراءة، قال: قلت لعطاء: { فتيمموا صعيدا طيبا } قال: الطيب: ما حولك. قلت: مكان جرد غير أبطح، أيجزىء عني؟ قال: نعم. ومعنى الكلام: فإن لم تجدوا ماء أيها الناس، وكنتم مرضى، أو على سفر، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لمستم النساء، فأردتم أن تصلوا فتيمموا، يقول: فتعمدوا وجه الأرض الطاهرة، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم. القول في تأويل قوله تعالى: { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم }. يعني بذلك جل ثناؤه: فامسحوا منه بوجوهكم وأيديكم، ولكنه ترك ذكر «منه» اكتفاء بدلالة الكلام عليه. والمسح منه بالوجه أن يضرب المتيمم بيديه على وجه الأرض الطاهر، أو ما قام مقامه، فيمسح بما علق من الغبار وجهه، فإن كان الذي علق به الغبار كثيرا، فنفخ عن يديه أو نفضه، فهو جائز. وإن لم يعلق بيديه من الغبار شيء، وقد ضرب بيديه أو إحداهما الصعيد، ثم مسح بهما أو بها وجهه أجزأه ذلك، لإجماع جميع الحجة على أن المتيمم لو ضرب بيديه الصعيد وهو أرض رمل فلم يعلق بيديه منها شيء فتيمم به أن ذلك مجزئه، لم يخالف ذلك من يجوز أن يعتد بخلافه. فلما كان ذلك إجماعا منهم كان معلوما أن الذي يراد به من ضرب الصعيد باليدين مباشرة الصعيد بهما بالمعنى الذي أمر الله بمباشرته بهما، لا لأخذ تراب منه. وأما المسح باليدين، فإن أهل التأويل اختلفوا في الحد الذي أمر الله بمسحه من اليدين، فقال بعضهم: حد ذلك الكفان إلى الزندين، وليس على المتيمم مسح ما وراء ذلك من الساعدين. ذكر من قال ذلك: حدثني أبو السائب سلم بن جنادة، قال: ثنا ابن إدريس، عن حصين، عن أبي مالك، قال: تيمم عمار فضرب بيديه إلى التراب ضربة واحدة، ثم مسح بيديه واحدة على الأخرى، ثم مسح وجهه، ثم ضرب بيديه أخرى، فجعل يلوي يده على الأخرى ولم يمسح الذراع. حدثنا أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن ابن أبي خالد، قال: رأيت الشعبي وصف لنا التيمم: فضرب بيديه إلى الأرض ضربة، ثم نفضهما ومسح وجهه، ثم ضرب أخرى، فجعل يلوي كفيه إحداهما على الأخرى، ولم يذكر أنه مسح الذراع. حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن أبي مالك، قال: وضع عمار بن ياسر كفيه في التراب، ثم رفعهما فنفخهما، فمسح وجهه وكفيه، ثم قال: هكذا التيمم. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو تميلة، قال: ثنا سلام مولى حفص، قال: سمعت عكرمة، يقول: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة للكفين. حدثنا علي بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن سعيد وابن جابر، أن مكحولا كان يقول: التيمم ضربة للوجه والكفين إلى الكوع، ويتأول مكحول القرآن في ذلك: { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق } وقوله في التيمم: { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } ولم يستثن فيه كما استثنى في الوضوء إلى المرافق.

قال مكحول: قال الله:

والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما

[المائدة: 38] فإنما تقطع يد السارق من مفصل الكوع. حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا بشر بن بكر التنيسي، عن ابن جابر: أنه رأى مكحولا يتيمم يضرب بيديه على الصعيد، ثم يمسح بهما وجهه وكفيه بواحدة. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي، قال: التيمم: ضربة للوجه والكفين. وعلة من قال هذه المقالة من الأثر ما: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبدة ومحمد بن بشر، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار بن ياسر: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التيمم، فقال:

" مرة للكفين على الوجه "

وفي حديث ابن بشر: أن عمارا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن التيمم. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبيدة بن سعيد القرشي، عن شعبة، عن الحكم، عن ابن أبزى، قال: جاء رجل إلى عمر، فقال: إني أجنبت فلم أجد الماء، فقال عمر: لا تصل! فقال له عمار: أما تذكر أنا في مسير على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجنبت أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فقال:

Bog aan la aqoon