752

حلفت له إن تدلج الليل لا يزل

أمامك بيت من بيوتي سائر

فمعنى «لا يزل» رفع، ولكنه جزم لمجيئه بعد الجزاء فصار كالجواب. ومثله: { أفئن مت فهم الخالدون } و { فكيف تتقون إن كفرتم } ولو كان مكان فهم الخالدون يخلدون وقيل: أفئن مت يخلدوا جاز الرفع فيه والجزم، وكذلك لو كان مكان «انقلبتم» «تنقلبوا» جاز الرفع والجزم لما وصفت قبل. وتركت إعادة الاستفهام ثانية مع قوله: «انقلبتم» اكتفاء بالاستفهام في أول الكلام، وأن الاستفهام في أوله دال على موضعه ومكانه. وقد كان بعض القراء يختار في قوله: { أءذا متنا وكنا ترابا وعظما أءنا لمبعوثون } ترك إعادة الاستفهام مع «أئنا»، اكتفاء بالاستفهام في قوله: { أءذا متنا وكنا ترابا } ، ويستشهد على صحة وجه ذلك باجتماع القراء على تركهم إعادة الاستفهام مع قوله: «انقلبتم»، اكتفاء بالاستفهام في قوله: { أفئن مات } إذا كان دالا على معنى الكلام وموضع الاستفهام منه، وكان يفعل مثل ذلك في جميع القرآن، وسنأتي على الصواب من القول في ذلك إن شاء الله إذا انتهينا إليه.

[3.145]

يعني تعالى ذكره بذلك: وما يموت محمد ولا غيره من خلق الله إلا بعد بلوغ أجله الذي جعله الله غاية لحياته وبقائه، فإذا بلغ ذلك من الأجل الذي كتبه الله له وأذن له بالموت فحينئذ يموت، فأما قبل ذلك فلن تموت بكيد كائد ولا بحيلة محتال. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتبا مؤجلا }: أي أن لمحمد أجلا هو بالغه إذا أذن الله له في ذلك كان. وقد قيل: إن معنى ذلك: وما كانت نفس لتموت إلا بإذن الله. وقد اختلف أهل العربية في معنى الناصب قوله: { كتبا مؤجلا } فقال بعض نحويي البصرة: هو توكيد، ونصبه على: كتب الله كتابا مؤجلا، قال: وكذلك كل شيء في القرآن من قوله «حقا»، إنما هو: أحق ذلك حقا، وكذلك: { وعد الله } و { رحمة من ربك } و { صنع الله الذى أتقن كل شىء } و { كتب الله عليكم } إنما هو: صنع الله هكذا صنعا، فهكذا تفسير كل شيء في القرآن من نحو هذا، فإنه كثير. وقال بعض نحويي الكوفة في قوله: { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله } معناه: كتب الله آجال النفوس، ثم قيل: كتابا مؤجلا، فأخرج قوله: كتابا مؤجلا، نصبا من المعنى الذي في الكلام، إذ كان قوله: { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله } قد أدى عن معنى «كتب»، قال: وكذلك سائر ما في القرآن من نظائر ذلك، فهو على هذا النحو. وقال آخرون منهم: قول القائل: زيد قائم حقا، بمعنى: أقول زيد قائم حقا، لأن كل كلام قول، فأدى المقول عن القول، ثم خرج ما بعده منه، كما تقول: أقول قولا حقا، وكذلك ظنا ويقينا، وكذلك وعد الله، وما أشبهه. والصواب من القول في ذلك عندي، أن كل ذلك منصوب على المصدر من معنى الكلام الذي قبله، لأن في كل ما قبل المصادر التي هي مخالفة ألفاظها ألفاظ ما قبلها من الكلام معاني ألفاظ المصادر وإن خالفها في اللفظ فنصبها من معاني ما قبلها دون ألفاظه. القول في تأويل قوله جل ثناؤه:«ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين». يعني بذلك جل ثناؤه: من يرد منكم أيها المؤمنون بعمله جزاء منه بعض أعراض الدنيا دون ما عند الله من الكرامة، لمن ابتغى بعمله ما عنده { نؤته منها } يقول: نعطه منها، يعني: من الدنيا، يعني: أنه يعطيه منها ما قسم له فيها من رزق أيام حياته، ثم لا نصيب له في كرامة الله التي أعدها لمن أطاعه، وطلب ما عنده في الآخرة.

{ ومن يرد ثواب الأخرة } يقول: ومن يرد منكم بعمله جزاء منه ثواب الآخرة، يعني ما عند الله من كرامته التي أعدها للعاملين له في الآخرة، { نؤته منها } يقول: نعطه منها، يعني من الآخرة والمعنى: من كرامة الله التي خص بها أهل طاعته في الآخرة. فخرج الكلام على الدنيا والآخرة، والمعنى ما فيهما. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الأخرة نؤته منها }: أي فمن كان منكم يريد الدنيا ليست له رغبة في الآخرة، نؤته ما قسم له منها من رزق، ولا حظ له في الآخرة، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها ما وعده مع ما يجرى عليه من رزقه في دنياه. وأما قوله: { وسنجزى الشكرين } يقول: وسأثيب من شكر لي ما أوليته من إحساني إليه بطاعته إياي وانتهائه إلى أمري وتجنبه محارمي في الآخرة، مثل الذي وعدت أوليائي من الكرامة على شكرهم إياي. وقال ابن إسحاق في ذلك بما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { وسنجزى الشكرين } أي ذلك جزاء الشاكرين ، يعنى بذلك: إعطاء الله إياه ما وعده في الآخرة مع ما يجرى عليه من الرزق في الدنيا.

[3.146]

اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: { وكأين } بهمز الألف وتشديد الياء وقرأه آخرون: بمد الألف وتخفيف الياء. وهما قراءتان مشهورتان في قراءة المسلمين، ولغتان معروفتان لا اختلاف في معناهما، فبأي القراءتين قرأ ذلك قارىء فمصيب، لاتفاق معنى ذلك وشهرتهما في كلام العرب. ومعناه: وكم من نبي. القول في تأويل قوله تعالى: { قاتل معه ربيون كثير }. اختلفت القراء في قراءة قوله: { قاتل معه ربيون كثير } فقرأ ذلك جماعة من قراء الحجاز والبصرة: «قتل» بضم القاف، وقرأه جماعة أخرى بفتح القاف وبالألف، وهي قراءة جماعة من قراء الحجاز والكوفة. فأما من قرأ { قاتل } فإنه اختار ذلك لأنه قال: لو قتلوا لم يكن لقوله: { فما وهنوا } وجه معروف، لأنه يستحيل أن يوصفوا بأنهم لم يهنوا ولم يضعفوا بعد ما قتلوا. وأما الذين قرؤوا ذلك: «قتل»، فإنهم قالوا: إنما عنى بالقتل النبي وبعض من معه من الربيين دون جميعهم، وإنما نفى الوهن والضعف عمن بقي من الربيين ممن لم يقتل. وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب، قراءة من قرأ بضم القاف: «قتل معه ربيون كثير» لأن الله عز وجل إنما عاتب بهذه الآية، والآيات التي قبلها من قوله: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جهدوا منكم } الذين انهزموا يوم أحد، وتركوا القتال، أو سمعوا الصائح يصيح: إن محمدا قد قتل، فعذلهم الله عز وجل على فرارهم وتركهم القتال، فقال: أفئن مات محمد أو قتل أيها المؤمنون ارتددتم عن دينكم، وانقلبتم على أعقابكم؟ ثم أخبرهم عما كان من فعل كثير من أتباع الأنبياء قبلهم وقال لهم: هلا فعلتم كما كان أهل الفضل والعلم من أتباع الأنبياء قبلكم يفعلونه إذا قتل نبيهم من المضي على منهاج نبيهم والقتال على دينه أعداء دين الله على نحو ما كانوا يقاتلون مع نبيهم، ولم تهنوا ولم تضعفوا كما لم يضعف الذين كانوا قبلكم من أهل العلم والبصائر من أتباع الأنبياء إذا قتل نبيهم، ولكنهم صبروا لأعدائهم حتى حكم الله بينهم وبينهم! وبذلك من التأويل جاء تأويل المتأول. وأما «الربيون»، فإنهم مرفوعون بقوله: «معه»، لا بقوله: «قتل». وإنما تأويل الكلام: وكائن من نبي قتل ومعه ربيون كثير، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله. وفي الكلام إضمار واو، لأنها واو تدل على معنى حال قتل النبي صلى الله عليه وسلم، غير أنه اجتزأ بدلالة ما ذكر من الكلام عليها من ذكرها، وذلك كقول القائل في الكلام: قتل الأمير معه جيش عظيم، بمعنى: قتل ومعه جيش عظيم. وأما الربيون، فإن أهل العربية اختلفوا في معناه، فقال بعض نحويي البصرة: هم الذين يعبدون الرب واحدهم ربي.

وقال بعض نحويي الكوفة: لو كانوا منسوبين إلى عبادة الرب لكانوا «ربيون» بفتح الراء، ولكنه العلماء والألوف، والربيون عندنا: الجماعة الكثيرة، واحدهم ربي، وهم جماعة. واختلف أهل التأويل في معناه، فقال بعضهم مثل ما قلنا. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله: الربيون: الألوف. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن الثوري، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، مثله. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري وابن عيينة، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن عبد الله، مثله. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عمرو بن عاصم، عن زر، عن عبد الله، مثله. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عوف عمن حدثه، عن ابن عباس في قوله: { ربيون كثير } قال: جموع كثيرة. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: { قاتل معه ربيون كثير } قال: جموع. حدثني حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا شعبة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله: «وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير» قال: الألوف. وقال آخرون بما: حدثني به سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: «وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير» قال: علماء كثير. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عوف، عن الحسن في قوله: «وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير» قال: فقهاء علماء. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية. عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: «وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير» قال: الجموع الكثيرة. قال يعقوب: وكذلك قرأها إسماعيل: «قتل معه ربيون كثير». حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: «وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير» يقول: جموع كثيرة. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله: «قتل معه ربيون كثير» قال: علماء كثيرة. وقال قتادة: جموع كثيرة. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة في قوله: { ربيون كثير } قال: جموع كثيرة. حدثني عمرو بن عبد الحميد الآملي، قال: ثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، مثله. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: «قتل معه ربيون كثير» قال: جموع كثيرة.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: «قتل معه ربيون كثير» يقول: جموع كثيرة. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: «وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير» يقول: جموع كثيرة قتل نبيهم. حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن جعفر بن حبان، والمبارك عن الحسن في قوله: «وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير» قال جعفر: علماء صبروا. وقال ابن المبارك : أتقياء صبروا. حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: «قتل معه ربيون كثير» يعني الجموع الكثيرة قتل نبيهم. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { قاتل معه ربيون كثير } يقول: جموع كثيرة. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قوله: «وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير» قال: وكأين من نبي أصابه القتل، ومعه جماعات. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: «وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير» الربيون: الجموع الكثيرة. وقال آخرون: الربيون: الإتباع. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: «وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير» قال: الربيون: الأتباع، والربانيون: الولاة، والربيون: الرعية. وبهذا عاتبهم الله حين انهزموا عنه، حين صاح الشيطان إن محمدا قد قتل، قال: كانت الهزيمة عند صياحه في سنينة صاح: أيها الناس إن محمدا رسول الله قد قتل، فارجعوا إلى عشائركم يؤمنوكم. القول في تأويل قوله: { فما وهنوا لما أصابهم فى سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصبرين }. يعني بقوله تعالى ذكره: { فما وهنوا لما أصابهم فى سبيل الله }: فما عجزوا لما نالهم من ألم الجراح الذي نالهم في سبيل الله، ولا لقتل من قتل منهم عن حرب أعداء الله، ولا نكلوا عن جهادهم. { وما ضعفوا } يقول: وما ضعفت قواهم لقتل نبيهم. { وما استكانوا } يعني: وما ذلوا فيتخشعوا لعدوهم بالدخول في دينهم، ومداهنتهم فيه، خيفة منهم، ولكن مضوا قدما على بصائرهم ومنهاج نبيهم، صبرا على أمر الله وأمر نبيهم وطاعة الله، واتباعا لتنزيله ووحيه. { والله يحب الصبرين } يقول: والله يحب هؤلاء وأمثالهم من الصابرين لأمره وطاعته، وطاعة رسوله، في جهاد عدوه، لا من فشل ففر عن عدوه، ولا من انقلب على عقبيه فذل لعدوه لأن قتل نبيه أو مات، ولا من دخله وهن عن عدوه وضعف لفقد نبيه.

Bog aan la aqoon