Jamic Bayan
جامع البيان في تفسير القرآن
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني ابن شهاب الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا قالوا: لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون بالمشركين قد نزلوا منزلهم من أحد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إني قد رأيت بقرا فأولتها خيرا، ورأيت في ذباب سيفي ثلما، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة، فأولتها المدينة فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها "
وكان رأي عبد الله بن أبي ابن سلول مع رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يرى رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك أن لا يخرج إليهم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الخروج من المدينة، فقال رجال من المسلمين ممن أكرمهم الله بالشهادة يوم أحد وغيرهم ممن كان فاته بدر وحضروه: يا رسول الله، اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا! فقال عبد الله بن أبي بن سلول: يا رسول الله أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا قط إلا أصبنا منه! فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاءوا.
فلم يزل الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان من أمرهم حب لقاء القوم حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلبس لأمته. فكانت تبوئة رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين مقاعد للقتال، ما ذكرنا من مشورته على أصحابه بالرأي الذي ذكرنا على ما وصفه الذين حكينا قولهم يقال منه: بوأت القوم منزلا وبوأته لهم فأنا أبوئهم المنزل تبوئة، وأبوىء لهم منزلا تبوئة. وقد ذكر أن في قراءة عبد الله بن مسعود: «وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال» وذلك جائز، كما يقال: ردفك وردف لك، ونقدت لها صداقها ونقدتها، كما قال الشاعر:
أستغفر الله ذنبا لست محصيه
رب العباد إليه الوجه والعمل
والكلام: أستغفر الله لذنب. وقد حكي عن العرب سماعا: أبأت القوم منزلا فأنا أبيئهم إباءة، ويقال منه: أبأت الإبل: إذا رددتها إلى المباءة، والمباءة: المراح الذي تبيت فيه، والمقاعد: جمع مقعد وهو المجلس. فتأويل الكلام: واذكر إذ غدوت يا محمد من أهلك تتخذ للمؤمنين معسكرا وموضعا لقتال عدوهم. وقوله: { والله سميع عليم } يعني بذلك تعالى ذكره: والله سميع لما يقول المؤمنون لك، فيما شاورتهم فيه من موضع لقائك ولقائهم عدوك وعدوهم من قول من قال: اخرج بنا إليهم حتى نلقاهم خارج المدينة، وقول من قال لك: لا تخرج إليهم وأقم بالمدينة حتى يدخلوها علينا، على ما قد بينا قبل، ومما تشير به عليهم أنت يا محمد. عليم بأصلح تلك الآراء لك ولهم، وبما تخفيه صدور المشيرين عليك بالخروج إلى عدوك، وصدور المشيرين عليك بالمقام في المدينة، وغير ذلك من أمرك وأمورهم. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق في قوله: { والله سميع عليم }: أي سميع لما يقولون، عليم بما يخفون.
[3.122]
يعني بذلك جل ثناؤه: والله سميع عليم حين همت طائفتان منكم أن تفشلا. والطائفتان اللتان همتا بالفشل ذكر لنا أنهم بنو سلمة وبنو حارثة. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: { إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا } قال: بنو حارثة كانوا نحو أحد، وبنو سلمة نحو سلع، وذلك يوم الخندق. قال أبو جعفر: وقد دللنا على أن ذلك كان يوم أحد فيما مضى بما فيه الكفاية عن إعادته. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا }... الآية، وذلك يوم أحد، والطائفتان: بنو سلمة، وبنو حارثة، حيان من الأنصار، هموا بأمر، فعصمهم الله من ذلك. قال قتادة: وقد ذكر لنا أنه لما أنزلت هذه الآية قالوا: ما يسرنا أنا لم نهم بالذي هممنا به، وقد أخبرنا الله أنه ولينا. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: { إذ همت طائفتان منكم }... الآية، وذلك يوم أحد، فالطائفتان: بنو سلمة، وبنو حارثة، حيان من الأنصار، فذكر مثل قول قتادة. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد في ألف رجل، وقد وعدهم الفتح إن صبروا فلما رجع عبد الله بن أبي بن سلول في ثلثمائة، فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم، فلما غلبوه وقالوا له: ما نعمل قتالا، ولئن أطعتنا لترجعن معنا، وقال: { إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا } وهم بنو سلمة، وبنو حارثة، هموا بالرجوع حين رجع عبد الله بن أبي، فعصمهم الله، وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعمائة. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عكرة: نزلت في بني سلمة من الخزرج، وبنى حارثة من الأوس، ورأسهم عبد الله بن أبي بن سلول. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: { إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا } فهو بنو حارثة وبنو سلمة. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا } والطائفتان: بنو سلمة من جشم بن الخزرج، وبنو حارثة بن النبيت من الأوس، وهما الجناحان. حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله: { إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا }.
.. الآية، قال: هما طائفتان من الأنصار هما أن يفشلا، فعصمهم الله، وهزم عدوهم. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: { إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا } قال: هم بنو سلمة، وبنو حارثة وما نحب أن لو لم تكن همتا لقول الله عز وجل: { والله وليهما }. حدثني أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول، فذكر نحوه. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: { إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا } قال: هذا يوم أحد. وأما قوله { أن تفشلا } فإنه يعني: هما أن يضعفا ويجبنا عن لقاء عدوهما، يقال منه: فشل فلان عن لقاء عدوه يفشل فشلا. كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: الفشل: الجبن. وكان همهما الذي هما به من الفشل: الانصراف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين حين انصرف عنهم عبد الله بن أبي بن سلول ابن معه، جبنا منهم، من غير شك منهم في الإسلام ولا نفاق فعصمهم الله مما هموا به من ذلك، ومضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجهه الذي مضى له، وتركوا عبد الله بن أبي ابن سلول والمنافقين معه، فأثنى الله عز وجل عليهما بثبوتهما على الحق، وأخبر أنه وليهما وناصرهما على أعدائهما من الكفار. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { والله وليهما }: أي الدافع عنهما ما هما به من فشلهما، وذلك أنه إنما كان ذلك منهما عن ضعف ووهن أصابهما من غير شك أصابهما في دينهما، فتولى دفع ذلك عنهما برحمته وعائدته، حتى سلمتا من وهنهما وضعفهما، ولحقتا بنبيهما صلى الله عليه وسلم يقول: { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } أي من كان به ضعف من المؤمنين أو وهن فليتوكل علي، وليستعن بي، أعنه على أمره، وأدفع عنه، حتى أبلغ به وأقويه على نيته. وذكر أن ابن مسعود رضي الله عنه كان يقرأ: «والله وليهم». وإنما جاز أن يقرأ ذلك كذلك، لأن الطائفتين وإن كانتا في لفظ اثنين، فإنهما في معنى جماع بمنزلة الخصمين والحزبين.
Bog aan la aqoon