584

يعني بذلك جل ثناؤه: وأي نفقة أنفقتم، يعني أي صدقة تصدقتم، أو أي نذر نذرتم يعني بالنذر: ما أوجبه المرء على نفسه تبررا في طاعة الله، وتقربا به إليه، من صدقة أو عمل خير، فان الله يعلمه أي أن جميع ذلك بعلم الله، لا يعزب عنه منه شيء، ولا يخفى عليه منه قليل ولا كثير، ولكنه يحصيه أيها الناس عليكم حتى يجازيكم جميعكم على جميع ذلك، فمن كانت نفقته منكم وصدقته ونذره ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من نفسه، جازاه بالذي وعده من التضعيف ومن كانت نفقته وصدقته رياء الناس ونذروه للشيطان جازاه بالذي أوعده من العقاب وأليم العذاب. كالذي: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: { وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فان الله يعلمه } ويحصيه. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. ثم أوعد جل ثناؤه من كانت نفقته رياء ونذوره طاعة للشيطان، فقال: { وما للظالمين من أنصار } يعني: وما لمن أنفق ماله رياء الناس وفي معصية الله، وكانت نذوره للشيطان وفي طاعته، { من أنصار }. وهم جمع نصير، كما الأشراف جمع شريف. ويعني بقوله: { من أنصار } من ينصرهم من الله يوم القيامة، فيدفع عنهم عقابه يومئذ بقوة وشدة بطش ولا بفدية. وقد دللنا على أن الظالم: هو الواضع للشيء في غير موضعه. وإنما سمى الله المنفق رياء الناس، والناذر في غير طاعته ظالما، لوضعه إنفاق ماله في غير موضعه ونذره في غير ماله وضعه فيه، فكان ذلك ظلمه. فإن قال لنا قائل: فكيف قال: { فان الله يعلمه } ولم يقل: يعلمهما، وقد ذكر النذر والنفقة؟ قيل: إنما قال: { فان الله يعلمه } لأنه أراد: فإن الله يعلم ما أنفقتم أو نذرتم، فلذلك وحد الكناية.

[2.271]

يعني بقوله جل ثناؤه { إن تبدوا الصدقات } إن تعلنوا الصدقات فتعطوها من تصدقتم بها عليه، فنعما هي يقول: فنعم الشيء هي. وإن تخفوها يقول: وإن تستروها فلم تلعنوها وتؤتوها الفقراء يعني: وتعطوها الفقراء في السر، فهو خير لكم يقول: فإخفاؤكم إياها خير لكم من إعلانها. وذلك في صدقة التطوع. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم } كل مقبول إذا كانت النية صادقة، وصدقة السر أفضل. وذكر لنا أن الصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: { إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم } قال: كل مقبول إذا كانت النية صادقة، والصدقة في السر أفضل. وكان يقول: إن الصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: { إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم } فجعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها بسبعين ضعفا، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها يقال بخمسة وعشرين ضعفا، وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها. حدثني عبد الله بن محمد الحنفي، قال: ثنا عبد الله بن عثمان، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، قال: سمعت سفيان يقول في قوله: { إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم } قال: يقول: هو سوى الزكاة. وقال آخرون: إنما عنى الله عز وجل بقوله: { إن تبدوا الصدقات فنعما هي } إن تبدوا الصدقات على أهل الكتابين من اليهود والنصارى فنعما هي، وإن تخفوها وتؤتوها فقراءهم فهو خير لكم. قالوا: وأما ما أعطى فقراء المسلمين من زكاة وصدقة تطوع فاخفاؤه أفضل من علانيته. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني عبد الرحمن بن شريح، أنه سمع يزيد بن أبي حبيب يقول: إنما نزلت هذه الآية: { إن تبدوا الصدقات فنعما هي } في الصدقة على اليهود والنصارى. حدثني عبد الله بن محمد الحنفي، قال: أخبرنا عبد الله بن عثمان، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا ابن لهيعة، قال: كان يزيد بن أبي حبيب يأمر بقسم الزكاة في السر، قال عبد الله: أحب أن تعطى في العلانية، يعني الزكاة. ولم يخصص الله من قوله: { إن تبدوا الصدقات فنعما هي } فذلك على العموم إلا ما كان من زكاة واجبة، فإن الواجب من الفرائض قد أجمع الجميع على أن الفضل في إعلانه وإظهاره سوى الزكاة التي ذكرنا اختلاف المختلفين فيها مع إجماع جميعهم على أنها واجبة، فحكمها في أن الفضل في أدائها علانية حكم سائر الفرائض غيرها.

القول في تأويل قوله تعالى: { ويكفر عنكم من سيئاتكم }. اختلف القراء في قراءة ذلك. فروي عن ابن عباس أنه كان يقرؤه: «وتكفر عنكم» بالتاء. ومن قرأه كذلك. فإنه يعني به: وتكفر الصدقات عنكم من سيئاتكم. وقرأ آخرون: { ويكفر عنكم } بالياء بمعنى: ويكفر الله عنكم بصدقاتكم على ما ذكر في الآية من سيئاتكم. وقرأ ذلك بعد عامة قراء أهل المدينة والكوفة والبصرة: «ونكفر عنكم» بالنون وجزم الحرف، يعني: وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء نكفر عنكم من سيئاتكم، بمعنى: مجازاة الله عز وجل مخفي الصدقة بتكفير بعض سيئاته بصدقته التي أخفاها. وأولى القراءات في ذلك عندنا بالصواب قراءة من قرأ: «ونكفر عنكم» بالنون وجزم الحرف، على معنى الخبر من الله عن نفسه أنه يجازي المخفي صدقته من التطوع ابتغاء وجهه من صدقته بتكفير سيئاته. وإذا قرىء كذلك فهو مجزوم على موضع الفاء في قوله: { فهو خير لكم } لأن الفاء هنالك حلت محل جواب الجزاء. فإن قال لنا قائل: وكيف اخترت الجزم على النسق على موضع الفاء، وتركت اختيار نسقه على ما بعد الفاء، وقد علمت أن الأفصح من الكلام في النسق على جواب الجزاء الرفع، وإنما الجزم تجويز؟ قيل: اخترنا ذلك ليؤذن بجزمه أن التكفير، أعني تكفير الله من سيئات المصدق لا محالة داخل فيما وعد الله المصدق أن يجازيه به على صدقته، لأن ذلك إذا جزم مؤذن بما قلنا لا محالة، ولو رفع كان قد يحتمل أن يكون داخلا فيما وعده الله أن يجازيه به، وأن يكون خبرا مستأنفا أنه يكفر من سيئات عباده المؤمنين على غير المجازاة لهم بذلك على صدقاتهم، لأن ما بعد الفاء في جواب الجزاء استئناف، فالمعطوف على الخبر المستأنف في حكم المعطوف عليه في أنه غير داخل في الجزاء، ولذلك من العلة اخترنا جزم نكفر عطفا به على موضع الفاء من قوله: { فهو خير لكم } وقراءته بالنون. فإن قال قائل: وما وجه دخول «من» في قوله: { ونكفر عنكم من سيئاتكم }؟ قيل: وجه دخولها في ذلك بمعنى: ونكفر عنكم من سيئاتكم ما نشاء تكفيره منها دون جميعها، ليكون العباد على وجل من الله فلا يتكلوا على وعده ما وعد على الصدقات التي يخفيها المتصدق فيجتزؤا على حدوده ومعاصيه. وقال بعض نحويي البصرة: معنى «من» الإسقاط من هذا الموضع، ويتأول معنى ذلك: ونكفر عنكم سيئاتكم. القول في تأويل قوله تعالى: { والله بما تعملون خبير }. يعني بذلك جل ثناؤه: والله بما تعملون في صدقاتكم من إخفائها وإعلان وإسرار بها وإجهار، وفي غير ذلك من أعمالكم. { خبير } يعني بذلك ذو خبرة وعلم، لا يخفى عليه شيء من ذلك، فهو بجميعه محيط، ولكله محص على أهله حتى يوفيهم ثواب جميعه وجزاء قليله وكثيره.

[2.272]

يعني تعالى ذكره بذلك: ليس عليك يا محمد هدى المشركين إلى الإسلام، فتمنعهم صدقة التطوع، ولا تعطيهم منها ليدخلوا في الإسلام حاجة منهم إليها، ولكن الله هو يهدي من يشاء من خلقه إلى الإسلام فيوفقهم له، فلا تمنعهم الصدقة. كما: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن شعبة، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يتصدق على المشركين، فنزلت: { وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله } فتصدق عليهم. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو داود، عن سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانوا لا يرضخون لقراباتهم من المشركين، فنزلت: { ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء }. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن سعيد بن جبير، قال: كانوا يتقون أن يرضخوا لقراباتهم من المشركين حتى نزلت: { ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء }. حدثنا محمد بن بشار وأحمد بن إسحاق، قالا: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانوا لا يرضخون لأنسبائهم من المشركين، فنزلت: { ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء } فرخص لهم. حدثنا المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان أناس من الأنصار لهم أنسباء وقرابة من قريظة والنضير، وكانوا يتقون أن يتصدقوا عليهم، ويريدونهم أن يسلموا، فنزلت: { ليس عليك هداهم }... الآية. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، وذكر لنا أن رجالا من أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم قالوا: أنتصدق على من ليس من أهل ديننا؟ فأنزل الله في ذلك القرآن: { ليس عليك هداهم }. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: { ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء } قال: كان الرجل من المسلمين إذا كان بينه وبين الرجل من المشركين قرابة وهو محتاج فلا يتصدق عليه يقول: ليس من أهل ديني، فأنزل الله عز وجل: { ليس عليك هداهم }... الآية. حدثني محمد، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي قوله: { ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء، وما تنفقوا من خير فلأنفسكم } أما «ليس عليك هداهم» فيعني المشركين، وأما النفقة فبين أهلها. حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير قال: كانوا يتصدقون... كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { يوف إليكم وأنتم لا تظلمون } قال: هو مردود عليك، فمالك ولهذا تؤذيه وتمن عليه، إنما نفقتك لنفسك وابتغاء وجه الله، والله يجزيك.

[2.273]

أما قوله: { للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله } فبيان من الله عز وجل عن سبيل النفقة ووجهها. ومعنى الكلام: وما تنفقوا من خير فلأنفسكم، تنفقون للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله. واللام التي في الفقراء مردودة على موضع اللام في فلأنفسكم، كأنه قال: { وما تنفقوا من خير } يعني به: وما تتصدقوا به من مال، فللفقراء الذين أحصروا في سبيل الله، فلما اعترض في الكلام بقوله: «فلأنفسكم»، فأدخل الفاء التي هي جواب الجزاء فيه تركت إعادتها في قوله: «للفقراء»، إذ كان الكلام مفهوما معناه. كما: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي قوله:

ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشآء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم

[البقرة: 272] أما «ليس عليك هداهم»، فيعني المشركين، وأما النفقة فبين أهلها، فقال: للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله. وقيل: إن هؤلاء الفقراء الذين ذكرهم الله في هذه الآية، هم فقراء المهاجرين عامة دون غيرهم من الفقراء. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله } مهاجري قريش بالمدينة مع النبي صلى الله عليه وسلم، أمر بالصدقة عليهم. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه قوله: { للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله }... الآية. قال: هم فقراء المهاجرين بالمدينة. حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله } قال: فقراء المهاجرين. القول في تأويل قوله تعالى: { الذين أحصروا فى سبيل الله }. يعني تعالى ذكره بذلك: الذين جعلهم جهادهم عدوهم يحصرون أنفسهم فيحبسونها عن التصرف فلا يستطيعون تصرفا. وقد دللنا فيما مضى قبل على أن معنى الإحصار: تصيير الرجل المحصر بمرضه أو فاقته أو جهاده عدوه، وغير ذلك من علله إلى حالة يحبس نفسه فيها عن التصرف في أسبابه بما فيه الكفاية فيما مضى قبل. وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: في ذلك بنحو الذي قلنا فيه. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { الذين أحصروا فى سبيل الله } قال: حصروا أنفسهم في سبيل الله للغزو. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله } قال: كانت الأرض كلها كفرا لا يستطيع أحد أن يخرج يبتغي من فضل الله إذا خرج خرج في كفر.

Bog aan la aqoon