576

ولا بصفا صلد عن الخير معزل

ثم رجع تعالى ذكره إلى ذكر المنافقين الذين ضرب المثل لأعمالهم، فقال: فكذلك أعمالهم بمنزلة الصفوان الذي كان عليه تراب، فأصابه الوابل من المطر، فذهب بما عليه من التراب، فتركه نقيا لا تراب عليه ولا شيء يراهم المسلمون في الظاهر أن لهم أعمالا كما يرى التراب على هذا الصفوان بما يراؤونهم به، فإذا كان يوم القيامة وصاروا إلى الله اضمحل ذلك كله، لأنه لم يكن لله كما ذهب الوابل من المطر بما كان على الصفوان من التراب، فتركه أملس لا شيء عليه، فذلك قوله: لا يقدرون، يعني به الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس، ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، يقول: لا يقدرون يوم القيامة على ثواب شيء مما كسبوا في الدنيا، لأنهم لم يعملوا لمعادهم ولا لطلب ما عند الله في الآخرة، ولكنهم عملوه رئاء الناس وطلب حمدهم، وإنما حظهم من أعمالهم ما أرادوه وطلبوه بها. ثم أخبر تعالى ذكره أنه لا يهدي القوم الكافرين، يقول: لا يسددهم لإصابة الحق في نفقاتهم وغيرها فيوفقهم لها، وهم للباطل عليها مؤثرون، ولكنه تركهم في ضلالتهم يعمهون، فقال تعالى ذكره للمؤمنين: لا تكونوا كالمنافقين الذين هذا المثل صفة أعمالهم، فتبطلوا أجور صدقاتكم بمنكم على من تصدقتم بها عليه وأذاكم لهم، كما أبطل أجر نفقة المنافق الذي أنفق ماله رئاء الناس، وهو غير مؤمن بالله واليوم الآخر عند الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { يأيها الذين ءامنوا لا تبطلوا صدقتكم بالمن والاذى } فقرأ حتى بلغ: { على شىء مما كسبوا } فهذا مثل ضربه الله لأعمال الكفار يوم القيامة يقول: لا يقدرون على شيء مما كسبوا يومئذ، كما ترك هذا المطر الصفاة الحجر ليس عليه شيء أنقى ما كان. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: { لا تبطلوا صدقتكم بالمن } إلى قوله: { والله لا يهدي القوم الكفرين } هذا مثل ضربه الله لأعمال الكافرين يوم القيامة، يقول: لا يقدرون على شيء مما كسبوا يومئذ، كما ترك هذا المطر الصفا نقيا لا شيء عليه.

حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { لا تبطلوا صدقتكم بالمن والاذى } إلى قوله : { على شىء مما كسبوا } أما الصفوان الذي عليه تراب فأصابه المطر، فذهب ترابه فتركه صلدا، فكذا هذا الذي ينفق ماله رياء الناس ذهب الرياء بنفقته، كما ذهب هذا المطر بتراب هذا الصفا فتركه نقيا، فكذلك تركه الرياء لا يقدر على شيء مما قدم فقال للمؤمنين: { لا تبطلوا صدقتكم بالمن والاذى } فتبطل كما بطلت صدقة الرياء. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، قال: أن لا ينفق الرجل ماله، خير من أن ينفقه ثم يتبعه منا وأذى. فضرب الله مثله كمثل كافر أنفق ماله لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، فضرب الله مثلهما جميعا { كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا } فكذلك من أنفق ماله ثم أتبعه منا وأذى. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: { يأيها الذين ءامنوا لا تبطلوا صدقتكم بالمن والاذى } إلى: { كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا } ليس عليه شيء، وكذلك المنافق يوم القيامة لا يقدر على شيء مما كسب. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج في قوله: { لا تبطلوا صدقتكم بالمن والاذى } قال: يمن بصدقته ويؤذيه فيها حتى يبطلها. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى } فقرأ: { يأيها الذين ءامنوا لا تبطلوا صدقتكم بالمن والاذى } حتى بلغ: { لا يقدرون على شىء مما كسبوا } ثم قال: أترى الوابل يدع من التراب على الصفوان شيئا؟ فكذلك منك وأذاك لم يدع مما أنفقت شيئا. وقرأ قوله: { حليم يأيها الذين ءامنوا لا تبطلوا صدقتكم بالمن والاذى } وقرأ:

وما تنفقوا من خير فلأنفسكم

[البقرة: 272]. فقرأ حتى بلغ:

وأنتم لا تظلمون

[البقرة: 272] القول في تأويل قوله تعالى: { صفوان } قد بينا معنى الصفوان بما فيه الكفاية، غير أنا أردنا ذكر من قال مثل قولنا في ذلك من أهل التأويل. حدثني محمد بن سعد ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: { كمثل صفوان } كمثل الصفاة. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: { كمثل صفوان } والصفوان: الصفا.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله. حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: أما صفوان، فهو الحجر الذي يسمى الصفاة. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، مثله. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: { صفوان } يعني الحجر. القول في تأويل قوله تعالى: { فأصابه وابل }. قد مضى البيان عنه، وهذا ذكر من قال قولنا فيه: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: أما وابل: فمطر شديد. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: { فأصابه وابل } والوابل: المطر الشديد. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، مثله. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله. القول في تأويل قوله تعالى: { فتركه صلدا }. ذكر من قال نحو ما قلنا في ذلك: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { فتركه صلدا } يقول نقيا. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { فتركه صلدا } قال: تركها نقية ليس عليها شيء. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عباس قوله: { فتركه صلدا } قال: ليس عليه شيء. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: { صلدا } فتركه جردا. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: { فتركه صلدا } ليس عليه شيء. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: { فتركه صلدا } ليس عليه شيء .

[2.265]

يعني بذلك جل ثناؤه: ومثل الذين ينفقون أموالهم فيصدقون بها ويحملون عليها في سبيل الله ويقوون بها أهل الحاجة من الغزاة والمجاهدين في سبيل الله وفي غير ذلك من طاعات الله طلب مرضاته. { وتثبيتا } يعني بذلك: وتثبيتا من أنفسهم يعني لهم على إنفاق ذلك في طاعة الله وتحقيقا، من قول القائل: ثبت فلانا في هذا الأمر: إذ صححت عزمه وحققته وقويت فيه رأيه أثبته تثبيتا، كما قال ابن رواحة:

Bog aan la aqoon