549

[2.251]

يعني تعالى ذكره بقوله: فهزم طالوت وجنوده أصحاب جالوت، وقتل داود جالوت. وفي هذا الكلام متروك ترك ذكره اكتفاء بدلالة ما ظهر منه عليه. وذلك أن معنى الكلام: ولما برزوا لجالوت وجنوده، قالوا: ربنا أفرغ علينا صبرا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فاستجاب لهم ربهم، فأفرغ عليهم صبره، وثبت أقدامهم ونصرهم على القوم الكافرين، فهزموهم بإذن الله . ولكنه ترك ذكر ذلك اكتفاء بدلالة قوله: { فهزموهم بإذن الله } على أن الله قد أجاب دعاءهم الذي دعوه به. ومعنى قوله: { فهزموهم بإذن الله } قتلوهم بقضاء الله وقدره، يقال منه: هزم القوم الجيش هزيمة وهزيمى. { وقتل داود جالوت } وداود هذا هو داود بن إيشى نبي الله صلى الله عليه وسلم. وكان سبب قتله إياه كما: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا بكار بن عبد الله، قال: سمعت وهب بن منبه يحدث، قال: لما خرج، أو قال: لما برز طالوت لجالوت، قال جالوت: أبرزوا لي من يقاتلني، فإن قتلني، فلكم ملكي، وإن قتلته فلي ملككم فأتي بداود إلى طالوت، فقاضاه إن قتله أن ينكحه ابنته وأن يحكمه في ماله. فألبسه طالوت سلاحا، فكره داود أن يقاتله، وقال: إن الله لم ينصرني عليه لم يغن السلاح. فخرج إليه بالمقلاع وبمخلاة فيها أحجار، ثم برز له، قال له جالوت: أنت تقاتلني؟ قال داود: نعم. قال: ويلك أما تخرج إلي إلا كما يخرج إلى الكلب بالمقلاع والحجارة؟ لأبددن لحمك، ولأطعمنه اليوم الطير والسباع فقال له داود: بل أنت عدو الله شر من الكلب. فأخذ داود حجرا ورماه بالمقلاع، فأصابت بين عينيه حتى نفذت في دماغه، فصرع جالوت، وانهزم من معه، واحتز داود رأسه. فلما رجعوا إلى طالوت ادعى الناس قتل جالوت، فمنهم من يأتي بالسيف وبالشيء من سلاحه أو جسده، وخبأ داود رأسه، فقال طالوت: من جاء برأسه فهو الذي قتله. فجاء به داود. ثم قال لطالوت: أعطني ما وعدتني فندم طالوت على ما كان شرط له، وقال: إن بنات الملوك لا بد لهن من صداق، وأنت رجل جريء شجاع، فاحتمل صداقها ثلثمائة غلفة من أعدائنا وكان يرجو بذلك أن يقتل داود. فغزا داود وأسر منهم ثلثمائة، وقطع غلفهم وجاء بها، فلم يجد طالوت بدا من أن يزوجه. ثم أدركته الندامة، فأراد قتل داود حتى هرب منه إلى الجبل، فنهض إليه طالوت فحاصره. فلما كان ذات ليلة سلط النوم على طالوت وحرسه، فهبط إليهم داود، فأخذ إبريق طالوت الذي كان يشرب منه ويتوضأ، وقطع شعرات من لحيته وشيئا من هدب ثيابه، ثم رجع داود إلى مكانه، فناده أن.

.. حرسك، فإني لو شئت أقتلك البارحة فعلت، فإنه هذا إبريقك وشيء من شعر لحيتك وهدب ثيابك، وبعث إليه. فعلم طالوت أنه لو شاء قتله، فعطفه ذلك عليه فأمنه، وعاهده بالله لا ير ى منه بأسا. ثم انصرف. ثم كان في آخر أمر طالوت أنه كان يدس لقتله، وكان طالوت لا يقاتل عدوا إلا هزم، حتى مات. قال بكار: وسئل وهب وأنا أسمع: أنبيا كان طالوت يوحى إليه؟ فقال: لم يأته وحي، ولكن كان معه نبي يقال له أشمويل، يوحى إليه، وهو الذي ملك طالوت. حدثنا ابن حميد، قل: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: كان داود النبي وإخوة له أربعة، معهم أبوهم شيخ كبير، فتخلف أبوهم وتخلف معه داود من بين إخوته في غنم أبيه يرعاها له، وكان من أصغرهم وخرج إخوته الأربعة مع طالوت، فدعاه أبوه وقد تقارب الناس ودنا بعضهم من بضع. قال ابن إسحاق: وكان داود فيما ذكر لي بعض أهل العلم عن وهب بن منبه رجلا قصيرا أزرق قليل شعر الرأس، وكان طاهر القلب نقيه، فقال له أبوه: يا بني إنا قد صنعنا لإخوتك زادا يتقوون به على عدوهم، فاخرج به إليهم، فإذا دفعته إليهم فأقبل إلي سريعا فقال: أفعل. فخرج وأخذ معه ما حمل لإخوته، ومعه مخلاته التي يحمل فيها الحجارة ومقلاعه الذي كان يرمي به عن غنمه. حتى إذا فصل من عند أبيه، فمر بحجر، فقال: يا داود خذني فاجعلني في مخلاتك تقتل بي جالوت، فإني حجر يعقوب فأخذه فجعله في مخلاته، ومشى. فبينا هو يمشي إذ مر بحجر آخر، فقال: يا داود خذني فاجعلني في مخلاتك تقتل بي جالوت، فإني حجر إسحاق فأخذه فجعله في مخلاته، ثم مضى. فبينا هو يمشي إذ مر بحجر، فقال: يا داود خذني فاجعلني في مخلاتك تقتل بي جالوت، فإني حجر إبراهيم فأخذه فجعله في مخلاته. ثم مضى بما معه حتى انتهى إلى القوم، فأعطى إخوته ما بعث إليهم معه. وسمع في العسكر خوض الناس بذكر جالوت، وعظم شأنه فيهم، وبهيبة الناس إياه، ومما يعظمون من أمره، فقال لهم: والله إنكم لتعظمون من أمر هذا العدو شيئا ما أدري ما هو، والله إني لو أراه لقتلته، فأدخلوني على الملك فأدخل على الملك طالوت، فقال: أيها الملك إنى أراكم تعظمون شأن هذا العدو، والله إنى لو أراه لقتله فقال: يا بني ما عندك من القوة على ذلك؟ وما جربت من نفسك؟ قال: قد كان الأسد يعدو على الشاة من غنمي، فأدركه فآخذ برأسه، فأفك لحييه عنها، فآخذها من فيه، فادع لي بدرع حتى ألقيها علي فأتي بدرع، فقذفها في عنقه ومثل فيها فملأ عين طالوت ونفسه ومن حضر من بني إسرائيل، فقال طالوت: والله لعسى الله أن يهلكه به فلما أصبحوا رجعوا إلى جالوت، فلما التقى الناس قال داود: أروني جالوت فأروه إياه على فرس عليه لأمته فلما رآه جعلت الأحجار الثلاثة تواثب من مخلاته، فيقول هذا: خذني ويقول هذا: خذني ويقول هذا: خذني فأخذ أحدها فجعله في مقذافه، ثم قتله به، ثم أرسله فصك به بين عيني جالوت فدمغه، وتنكس عن دابته فقتله.

ثم انهزم جنده، وقال الناس: قتل داود جالوت، وخلع طالوت. وأقبل الناس على داود مكانه، حتى لم يسمع لطالوت بذكر إلا أن أهل الكتاب يزعمون أنه لما رأى انصراف بني إسرائيل عنه إلى داود، هم بأن يغتال داود وأراد قتله فصرف الله ذلك عنه وعن داود وعرف خطيئته، والتمس التوبة منها إلى الله. وقد روى عن وهب بن منبه في أمر طالوت وداود قول خلاف الروايتين اللتين ذكرنا قبل، وهو ما: حدثني به المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه، قال: لما سلمت بنو إسرائيل الملك لطالوت أوحى إلى نبي بني إسرائيل أن قل لطالوت: فليغز أهل مدين، فلا يترك فيها حيا إلا قتله، فإني سأظهره عليهم فخرج بالناس حتى أتى مدين، فقتل من كان فيها إلا ملكهم، فإنه أسره، وساق مواشيهم. فأوحى الله إلى أشمويل: ألا تعجب من طالوت إذ أمرته فاختان فيه، فجاء بملكهم أسيرا، وساق مواشيهم، فالقه فقل له: لأنزعن الملك من بيته، ثم لا يعود فيه إلى يوم القيامة، فإنى إنما أكرم من أطاعني، وأهين من هان عليه أمري فلقيه، فقال ما صنعت؟ لم جئت بملكهم أسيرا، ولم سقت مواشيهم؟ قال: إنما سقت المواشي لأقربها. قال له أشمويل: إن الله قد نزع من بيتك الملك، ثم لا يعود فيه إلى يوم القيامة. فأوحى الله إلى أشمويل أن انطلق إلى إيشى، فيعرض عليك بنيه، فادهن الذي آمرك بدهن القدس يكن ملكا على بني إسرائيل فانطلق حتى أتى إيشا، فقال: اعرض علي بنيك فدعا إيشا أكبر ولده، فأقبل رجل جسيم حسن المنظر، فلما نظر إليه أشمويل أعجبه، فقال: الحمد لله إن الله لبصير بالعباد فأوحى الله إليه: إن عينيك تبصران ما ظهر، وإني أطلع على ما في القلوب ليس بهذا، اعرض علي غيره، فعرض عليه ستة في كل ذلك يقول: ليس بهذا، فقال: هل لك من ولد غيرهم؟ فقال: بني لي غلام وهو راع في الغنم. فقال: أرسل إليه فلما أن جاء داود جاء غلام أمغر، فدهنه بدهن القدس، وقال لأبيه: اكتم هذا، فإن طالوت لو يطلع عليه قتله فسار جالوت في قومه إلى بني إسرائيل، فعسكر وسار طالوت ببني إسرائيل وعسكر، وتهيئوا للقتال، فأرسل جالوت إلى طالوت: لم تقتل قومي وأقتل قومك؟ ابرز لي أو أبرز لي من شئت، فإن قتلتك كان الملك لي، وإن قتلتني كان الملك لك فأرسل طالوت في عسكر صائحا من يبرز لجالوت، فإن قتله، فإن الملك ينكحه ابنته، ويشركه في ملكه.

فأرسل إيشا داود إلى إخوته وكانوا في العسكر، فقال: اذهب فرد إخوتك، وأخبرني خبر الناس ماذا صنعوا. فجاء إلى إخوته، وسمع صوتا: إن الملك يقول: من يبرز لجالوت فإن قتله أنكحه الملك ابنته. فقال داود لإخوته: ما منكم رجل يبرز لجالوت فيقتله، وينكح ابنة الملك؟ فقالوا: إنك غلام أحمق، ومن يطيق جالوت وهو من بقية الجبارين؟ فلما لم يرهم رغبوا في ذلك، قال: فأنا أذهب فأقتله فانتهروه وغضبوا عليه. فلما غفلوا عنه، ذهب حتى جاء الصائح، فقال: أنا أبرز لجالوت. فذهب به إلى الملك، فقال له: لم يجبني أحد إلا غلام من بني إسرائيل هو هذا؟ قال: يا بني أنت تبرز لجالوت فتقاتله؟ قال: نعم. قال: وهل آنست من نفسك شيئا؟ قال: نعم، كنت راعيا في الغنم، فأغار علي الأسد، فأخذت بلحييه ففككتهما. فدعا له بقوس وأداة كاملة، فلبسها وركب الفرس، ثم سار منهم قريبا. ثم صرف فرسه، فرجع إلى الملك، فقال الملك ومن حوله: جبن الغلام فجاء فوقف على الملك، فقال: ما شأنك؟ قال داود: إن لم يقتله الله لي لم يقتله هذا الفرس وهذا السلاح، فدعني فأقاتل كما أريد. فقال: نعم يا بني. فأخذ داود مخلاته، فتقلدها وألقى فيها أحجارا، وأخذ مقلاعه الذي كان يرعى به. ثم مضى نحو جالوت فلما دنا من عسكره، قال: أين جالوت يبرز لي؟ فبرز له على فرس عليه السلاح كله، فلما رآه جالوت قال: إليك أبرز؟ قال نعم. قال: فأتيتني بالمقلاع والحجر كما يؤتى إلى الكلب؟ قال: هو ذاك. قال: لا جرم أني سوف أقسم لحمك بين طير السماء وسباع الأرض. قال داود: أو يقسم الله لحمك. فوضع داود حجرا في مقلاعه، ثم دوره فأرسله نحو جالوت، فأصاب أنف البيضة التي على جالوت حتى خالط دماغه، فوقع من فرسه، فمضى داود إليه، فقطع رأسه بسيفه، فأقبل به في مخلاته، وبسلبه يجره، حتى ألقاه بين يدي طالوت، ففرحوا فرحا شديدا، وانصرف طالوت. فلما كان داخل المدينة، سمع الناس يذكرون داود، فوجد في نفسه، فجاءه داود، فقال: أعطني امرأتي فقال: أتريد ابنة الملك بغير صداق؟ فقال داود: ما اشترطت علي صداقا، ومالي من شيء. قال: لا أكلفك إلا ما تطيق، أنت رجل جريء، وفي جبالنا هذه جراجمة يحتربون الناس وهم غلف، فإذا قتلت منهم مائتي رجل، فأتني بغلفهم. فجعل كلما قتل منهم رجلا نظم غلفته في خيط، حتى نظم مائتي غلفة، ثم جاء بهم إلى طالوت، فألقى إليه، فقال: ادفع لي امرأتي قد جئت بما اشترطت فزوجه ابنته.

وأكثر الناس ذكر داود، وزاده عند الناس عجبا، فقال طالوت لابنه: لتقتلن داود قال: سبحان الله ليس بأهل ذلك منك قال: إنك غلام أحمق، ما أراه إلا سوف يخرجك وأهل بيتك من الملك. فلما سمع ذلك من أبيه، انطلق إلى أخته، فقال لها: إني قد خفت أباك أن يقتل زوجك داود، فمريه أن يأخذ حذره، ويتغيب منه. فقالت له امرأته ذلك فتغيب. فلما أصبح أرسل طالوت من يدعو له داود، وقد صنعت امرأته على فراشه كهيئة النائم ولحفته. فلما جاء رسول طالوت قال: أين داود؟ ليجب الملك فقالت له: بات شاكيا ونام الآن ترونه على الفراش. فرجعوا إلى طالوت فأخبروه ذلك، فمكث ساعة ثم أرسل إليه، فقالت: هو نائم لم يستيقظ بعد. فرجعوا إلى الملك فقال: ائتوني به وإن كان نائما فجاءوا إلى الفراش، فلم يجدوا عليه أحدا. فجاءوا الملك فأخبروه، فأرسل إلى ابنته فقال: ما حملك على أن تكذبيني؟ قالت: هو أمرني بذلك، وخفت إن لم أفعل أمره أن يقتلني. وكان داود فارا في الجبل حتى قتل طالوت، وملك داود بعده. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: كان طالوت أميرا على الجيش، فبعث أبو داود مع داود بشيء إلى إخوته، فقال داود لطالوت: ماذا لي فأقتل جالوت؟ قال: لك ثلث مالي، وأنكحك ابنتي. فأخذ مخلاته، فجعل فيها ثلاث مروات، ثم سمى حجارته تلك إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ثم أدخل يده فقال: باسم إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب فخرج على إبراهيم، فجعله في مرجمته، فخرقت ثلاثا وثلاثين بيضة عن رأسه، وقتلت ثلاثين ألفا من ورائه. حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: عبر يومئذ النهر مع طالوت أبو داود فيمن عبر مع ثلاثة عشر ابنا له، وكان داود أصغر بنيه. فأتاه ذات يوم فقال: يا أبتاه ما أرمي بقذافتي شيئا إلا صرعته. فقال: أبشر يا بني، فإن الله قد جعل رزقك في قذافتك ثم أتاه مرة أخرى قال: يا أبتاه لقد دخلت بين الجبال، فوجدت أسدا رابضا، فركبت عليه، فأخذت بأذنيه، فلم يهجني. قال: أبشر يا بني، فإن هذا خير يعطيكه الله ثم أتاه يوما آخر فقال: يا أبتاه إني لأمشي بين الجبال، فأسبح، فما يبقى جبل إلا سبح معي. فقال: أبشر يا بني، فإن هذا خير أعطاكه الله. وكان داود راعيا، وكان أبوه خلفه يأتي إليه وإلى إخوته بالطعام. فأتى النبي بقرن فيه دهن وبثوب من حديد، فبعث به إلى طالوت، فقال: إن صاحبكم الذي يقتل جالوت يوضع هذا القرن على رأسه فيغلي حتى يدهن منه ولا يسيل على وجهه، يكون على رأسه كهيئة الإكليل، ويدخل في هذا الثوب فيملؤه.

فدعا طالوت بني إسرائيل فجوبهم، فلم يوافقه منهم أحد. فلما فرغوا، قال طالوت لأبي داود: هل بقي لك من ولد لم يشهدنا؟ قال: نعم، بقي ابني داود، وهو يأتينا بطعامنا. فلما أتاه داود مر في الطريق بثلاثة أحجار، فكلمنه، وقلن له: خذنا يا داود تقتل بنا جالوت قال: فأخذهن فجعلهن في مخلاته. وكان طالوت قال: من قتل جالوت زوجته ابنتي، وأجريت خاتمه في ملكي. فلما جاء داود وضعوا القرن على رأسه، فغلى حتى ادهن منه، ولبس الثوب فملأه، وكان رجلا مسقاما مصفارا، ولم يلبسه أحد إلا تقلقل فيه. فلما لبسه داود تضايق الثوب عليه حتى ينقض. ثم مشى إلى جالوت، وكان جالوت من أجسم الناس وأشدهم فلما نظر إلى داود قذف في قلبه الرعب منه، فقال له: يا فتى ارجع فإني أرحمك أن أقتلك قال داود: لا، بل أنا أقتلك. فأخرج الحجارة فجعلها في القذافة، كلما رفع حجرا سماه، فقال: هذا باسم أبي إبراهيم ، والثاني باسم أبي إسحاق، والثالث باسم أبي إسرائيل. ثم أدار القذافة فعادت الأحجار حجرا واحدا، ثم أرسله فصك به بين عيني جالوت، فنقب رأسه فقتله. ثم لم تزل تقتل كل إنسان تصيبه تنفذ منه، حتى لم يكن بحيالها أحد. فهزموهم عند ذلك، وقتل داود جالوت. ورجع طالوت، فأنكح داود ابنته، وأجرى خاتمه في ملكه فمال الناس إلى داود فأحبوه. فلما رأى ذلك طالوت وجد في نفسه وحسده، فأراد قتله. فعلم به داود أنه يريد به ذلك، فسجى له زق خمر في مضجعه، فدخل طالوت إلى منام داود، وقد هرب داود فضرب الزق ضربة فخرقه، فسالت الخمر منه، فوقعت قطرة من خمر في فيه، فقال: يرحم الله داود ما كان أكثر شربه للخمر ثم إن داود أتاه من القابلة في بيته وهو نائم، فوضع سهمين عند رأسه وعند رجليه وعن يمينه وعن شماله سهمين فلما استيقظ طالوت بصر بالسهام فعرفها، فقال: يرحم الله داود هو خير مني، ظفرت به فقتلته، وظفر بي فكف عني. ثم إنه ركب يوما فوجده يمشي في البرية وطالوت على فرس، فقال طالوت: اليوم أقتل داود وكان داود إذا فزع لا يدرك، فركض على أثره طالوت، ففزع داود، فاشتد فدخل غارا، وأوحى الله إلى العنكبوت فضربت عليه بيتا فلما انتهى طالوت إلى الغار نظر إلى بناء العنكبوت، فقال: لو كان دخل ها هنا لخرق بيت العنبكوت، فخيل إليه فتركه. حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: ذكر لنا أن داود حين أتاهم كان قد جعل معه مخلاة فيها ثلاثة أحجار.

وإن جالوت برز لهم، فنادي: ألا رجل لرجل فقال طالوت: من يبرز له، وإلا برزت له. فقام داود فقال: أنا. فقام له طالوت فشد عليه درعه، فجعل يراه يشخص فيها ويرتفع. فعجب من ذلك طالوت، فشد عليه أداته كلها. وإن داود رماهم بحجر من تلك الحجارة فأصاب في القوم، ثم رمى الثانية بحجر فأصاب فيهم، ثم رمى الثالثة فقتل جالوت. فآتاه الله الملك والحكمة، وعلمه مما يشاء، وصار هو الرئيس عليهم، وأعطوه الطاعة. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني ابن زيد في قول الله تعالى ذكره:

ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل

[البقرة: 246] فقرأ حتى بلغ:

Bog aan la aqoon