Jamic Bayan
جامع البيان في تفسير القرآن
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية: { ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا } قال: الرجل يطلق امرأته تطليقة، ثم يتركها حتى تحيض ثلاث حيض، ثم يراجعها، ثم يطلقها تطليقة، ثم يمسك عنها حتى تحيض ثلاث حيض، ثم يراجعها لتعتدوا قال: لا يطاول عليهن. وأصل التسريح من سرح القوم، وهو ما أطلق من نعمهم للرعي، يقال للمواشي المرسلة للرعي: هذا سرح القوم، يراد به مواشيهم المرسلة للرعي، ومنه قول الله تعالى ذكره:
والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون * ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون
[النحل: 5-6] يعني بقوله حين تسرحون: حين ترسلونها للرعي فقيل للمرأة إذا خلاها زوجها فأبانها منه: سرحها، تمثيلا لذلك بتسريح المسرح ماشيته للرعي وتشبيها به. القول في تأويل قوله تعالى: { ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه }. يعني تعالى ذكره بذلك: ومن يراجع امرأته بعد طلاقه إياها في الطلاق الذي له فيه عليها الرجعة ضرارا بها ليعتدي حد الله في أمرها، فقد ظلم نفسه، يعني فأكسبها بذلك إثما، وأوجب لها من الله عقوبة بذلك. وقد بينا معنى الظلم فيما مضى، وأنه وضع الشيء في غير موضعه وفعل ما ليس للفاعل فعله. القول في تأويل قوله تعالى: { ولا تتخذوا آيات الله هزوا }. يعني تعالى ذكره: ولا تتخذوا أعلام الله وفصوله بين حلاله وحرامه وأمره ونهيه في وحيه وتنزيله استهزاء ولعبا، فإنه قد بين لكم في تنزيله وآي كتابه ما لكم من الرجعة على نسائكم في الطلاق الذي جعل لكم عليهن فيه الرجعة، وما ليس لكم منها، وما الوجه الجائز لكم منها وما الذي لا يجوز، وما الطلاق الذي لكم عليهن فيه الرجعة وما ليس لكم ذلك فيه، وكيف وجوه ذلك رحمة منه بكم ونعمة منه عليكم، ليجعل بذلك لبعضكم من مكروه إن كان فيه من صاحبه مما هو فيه المخرج والمخلص بالطلاق والفراق، وجعل ما جعل لكم عليهن من الرجعة سبيلا لكم إلى الوصول إلى ما نازعه إليه ودعاه إليه هواه بعد فراقه إياهن منهن، لتدركوا بذلك قضاء أوطاركم منهن، إنعاما منه بذلك عليكم، لا لتتخذوا ما بينت لكم من ذلك في آي كتابي وتنزيلي تفضلا مني ببيانه عليكم، وإنعاما ورحمة مني بكم لعبا وسخريا. وبمعنى ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أيوب بن سليمان، قال: ثنا أبو بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن محمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة، عن ابن شهاب، عن سليمان بن أرقم، أن الحسن حدثهم: أن الناس كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلق الرجل أو يعتق، فيقال: ما صنعت؟ فيقول: إنما كنت لاعبا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" من طلق لاعبا أو أعتق لاعبا فقد جاز عليه "
قال الحسن: وفيه نزلت: { ولا تتخذوا آيات الله هزوا }.حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: { ولا تتخذوا آيات الله هزوا } قال: كان الرجل يطلق امرأته، فيقول: إنما طلقت لاعبا، ويتزوج أو يعتق أو يتصدق فيقول: إنما فعلت لاعبا، فنهوا عن ذلك، فقال تعالى ذكره: { ولا تتخذوا آيات الله هزوا }. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا إسحاق بن منصور، عن عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن عبد الرحمن، عن أبي العلاء، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي موسى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب على الأشعريين فأتاه أبو موسى، فقال: يا رسول الله غضبت على الأشعريين فقال:
" يقول أحدكم قد طلقت قد راجعت ليس هذا طلاق المسلمين، طلقوا المرأة في قبل عدتها "
حدثنا أبو زيد، عن ابن شبة، قال: ثنا أبو غسان النهدي، قال: ثنا عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن أبي خالد، يعني الدالاني، عن أبي العلاء الأودي، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لهم:
" يقول أحدكم لامرأته: قد طلقتك، قد راجعتك ليس هذا بطلاق المسلمين، طلقوا المرأة في قبل عدتها "
القول في تأويل قوله تعالى: { واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة }. يعني تعالى ذكره بذلك: واذكروا نعمة الله عليكم بالإسلام، الذي أنعم عليكم به، فهداكم له، وسائر نعمه التي خصكم بها دون غيركم من سائر خلقه، فاشكروه على ذلك بطاعته فيما أمركم به ونهاكم عنه، واذكروا أيضا مع ذلك، ما أنزل عليكم من كتابه ذلك، القرآن الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، واذكروا ذلك فاعملوا به، واحفظوا حدوده فيه. والحكمة: يعني: وما أنزل عليكم من الحكمة، وهي السنن التي علمكموها رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنها لكم. وقد ذكرت اختلاف المختلفين في معنى الحكمة فيما مضى قبل في قوله: { ويعلمهم الكتاب والحكمة } فأغنى عن إعادته في هذا الموضع. القول في تأويل قوله تعالى: { يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم }. يعني تعالى ذكره بقوله: { يعظكم به } يعظكم بالكتاب الذي أنزل عليكم. والهاء التي في قوله «به» عائدة على الكتاب. { واتقوا الله } يقول: وخافوا الله فيما أمركم به، وفيما نهاكم عنه في كتابه الذي أنزله عليكم، وفيما أنزله فبينه على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم لكم أن تضيعوه وتتعدوا حدوده، فتستوجبوا ما لا قبل لكم به من أليم عقابه، ونكال عذابه.
وقوله: { واعلموا أن الله بكل شيء عليم } يقول: واعلموا أيها الناس أن ربكم الذي حد لكم هذه الحدود، وشرع لكم هذه الشرائع، وفرض عليكم هذه الفرائض في كتابه وفي تنزيله، على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بكل ما أنتم عاملوه من خير وشر، وحسن وسيىء، وطاعة ومعصية، عالم لا يخفى عليه من ظاهر ذلك وخفيه وسره وجهره شيء، وهو مجازيكم بالإحسان إحسانا، وبالسيىء سيئا ، إلا أن يعفو ويصفح فلا تتعرضوا لعقابه، ولا تظلموا أنفسكم.
Bog aan la aqoon