Jamic Bayan
جامع البيان في تفسير القرآن
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } فقال بعضهم: معناه: ولا تجعلوه علة لأيمانكم، وذلك إذا سئل أحدكم الشيء من الخير والإصلاح بين الناس، قال: علي يمين بالله ألا أفعل ذلك، أو قد حلفت بالله أن لا أفعله. فيعتل في تركه فعل الخير والإصلاح بين الناس بالحلف بالله. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } قال: هو الرجل يحلف على الأمر الذي لا يصلح، ثم يعتل بيمينه يقول الله: { أن تبروا وتتقوا } هو خير له من أن يمضي على ما لا يصلح، وإن حلفت كفرت عن يمينك وفعلت الذي هو خير لك. حدثنا المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن معمر عن ابن طاوس، عن أبيه مثله، إلا أنه قال: وإن حلفت فكفر عن يمينك، وافعل الذي هو خير. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا عبيد الله عن إسرائيل، عن السدي، عمن حدثه، عن ابن عباس في قوله: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس } قال: هو أن يحلف الرجل أن لا يكلم قرابته ولا يتصدق، أو يكون بينه وبين إنسان مغاضبة، فيحلف لا يصلح بينهما ويقول: قد حلفت، قال: يكفر عن يمينه، { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم }. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا } يقول: لا تعتلوا بالله أن يقول أحدكم: إنه تألى أن لا يصل رحما، ولا يسعى في صلاح، ولا يتصدق من ماله، مهلا مهلا بارك الله فيكم فإن هذا القرآن إنما جاء بترك أمر الشيطان، فلا تطيعوه، ولا تنفذوا له أمرا في شيء من نذوركم ولا أيمانكم. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا ابن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } قال: هو الرجل يحلف لا يصلح بين الناس ولا يبر، فإذا قيل له قال: قد حلفت. حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: سألت عطاء عن قوله: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس } قال: الإنسان يحلف أن لا يصنع الخير الأمر الحسن يقول حلفت، قال الله: افعل الذي هو خير، وكفر عن يمينك، ولا تجعل الله عرضة. حدثت عن عمار بن الحسن، قال: سمعت أبا معاذ قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم.
.. } الآية، هو الرجل يحرم ما أحل الله له على نفسه، فيقول: قد حلفت فلا يصلح إلا أن أبر يميني. فأمرهم الله أن يكفروا أيمانهم، ويأتوا الحلال. حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس } أما عرضة: فيعرض بينك وبين الرجل الأمر، فتحلف بالله لا تكلمه ولا تصله، وأما تبروا: فالرجل يحلف لا يبر ذا رحمه، فيقول: قد حلفت. فأمر الله أن لا يعرض بيمينه بينه وبين ذي رحمه، وليبره ولا يبالي بيمينه، وأما تصلحوا: فالرجل يصلح بين الاثنين فيعصيانه، فيحلف أن لا يصلح بينهما، فينبغي له أن يصلح ولا يبالي بيمينه، وهذا قبل أن تنزل الكفارات. حدثنا المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم في قوله: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } قال: يحلف أن لا يتقي الله ولا يصل رحمه ولا يصلح بين اثنين، فلا يمنعه يمينه. وقال آخرون: معنى ذلك: ولا تعترضوا بالحلف بالله في كلامكم فيما بينكم، فتجعلوا ذلك حجة لأنفسكم في ترك فعل الخير. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } يقول: لا تجعلني عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير، ولكن كفر عن يمينك واصنع الخير. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس } كان الرجل يحلف على الشيء من البر والتقوى لا يفعله. فنهى الله عز وجل عن ذلك، فقال: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا }. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة عن إبراهيم في قوله: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } قال: هو الرجل يحلف أن لا يبر قرابته ولا يصل رحمه ولا يصلح بين اثنين. يقول: فليفعل وليكفر عن يمينه. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن إبراهيم النخعي في قوله: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس } قال: لا تحلف أن لا تتقي الله، ولا تحلف أن لا تبر ولا تعمل خيرا، ولا تحلف أن لا تصل، ولا تحلف أن لا تصلح بين الناس، ولا تحلف أن تقتل وتقطع. حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن داود، عن سعيد بن جبير ومغيرة عن إبراهيم في قوله: { ولا تجعلوا الله عرضة } الآية، قالا: هو الرجل يحلف أن يبر ولا يتقي ولا يصلح بين الناس، وأمر أن يتقي الله، ويصلح بين الناس، ويكفر عن يمينه.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } فأمروا بالصلة والمعروف والإصلاح بين الناس، فإن حلف حالف أن لا يفعل ذلك فليفعله وليدع يمينه. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } الآية، قال ذلك في الرجل يحلف أن لا يبر ولا يصل رحمه ولا يصلح بين الناس، فأمره الله أن يدع يمينه ويصل رحمه ويأمر بالمعروف ويصلح بين الناس. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا محمد بن حرب، قال: ثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة في قوله: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس } قالت: لا تحلفوا بالله وإن بررتم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: حدثت أن قوله: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } الآية، نزلت في أبي بكر في شأن مسطح. حدثنا هناد، قال: ثنا ابن فضيل، عن مغيرة، عن إبراهيم قوله: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } الآية، قال: يحلف الرجل أن لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر، ولا يصل رحمه. حدثني المثنى، ثنا سويد، أخبرنا ابن المبارك، عن هشيم، عن المغيرة، عن إبراهيم في قوله: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } قال: يحلف أن لا يتقي الله، ولا يصل رحمه، ولا يصلح بين اثنين، فلا ينفعه يمينه: حدثني ابن عبد الرحيم البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد، عن مكحول أنه قال في قول الله تعالى ذكره: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } قال: هو أن يحلف الرجل أن لا يصنع خيرا ولا يصل رحمه ولا يصلح بين الناس، نهاهم الله عن ذلك. وأولى التأويلين بالآية تأويل من قال: معنى ذلك لا تجعلوا الحلف بالله حجة لكم في ترك فعل الخير فيما بينكم وبين الله وبين الناس. وذلك أن العرضة في كلام العرب: القوة والشدة، يقال منه: هذا الأمر عرضة له، يعني بذلك: قوة لك على أسبابك، ويقال: فلانة عرضة للنكاح: أي قوة، ومنه قول كعب بن زهير في صفة نوق:
من كل نضاحة الذفرى إذا عرقت
عرضتها طامس الأعلام مجهول
يعني ب«عرضتها»: قوتها وشدتها. فمعنى قوله تعالى ذكره: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } إذا: لا تجعلوا الله قوة لأيمانكم في أن لا تبروا، ولا تتقوا، ولا تصلحوا بين الناس، ولكن إذا حلف أحدكم فرأى الذي هو خير مما حلف عليه من ترك البر والإصلاح بين الناس فليحنث في يمينه، وليبر، وليتق الله، وليصلح بين الناس، وليكفر عن يمينه.
وترك ذكر «لا» من الكلام لدلالة الكلام عليها واكتفاء بما ذكر عما ترك، كما قال امرؤ القيس:
فقلت يمين الله أبرح قاعدا
ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
بمعنى: فقلت: يمين الله لا أبرح. فحذف «لا» اكتفاء بدلالة الكلام عليها. وأما قوله: { أن تبروا } فإنه اختلف في تأويل البر الذي عناه الله تعالى ذكره، فقال بعضهم: هو فعل الخير كله. وقال آخرون: هو البر بذي رحمه، وقد ذكرت قائلي ذلك فيما مضى. وأولى ذلك بالصواب قول من قال: عنى به فعل الخير كله، وذلك أن أفعال الخير كلها من البر. ولم يخصص الله في قوله { أن تبروا } معنى دون معنى من معاني البر، فهو على عمومه، والبر بذوي القرابة أحد معاني البر. وأما قوله: { وتتقوا } فإن معناه: أن تتقوا ربكم فتحذروه وتحذروا عقابه في فرائضه وحدوده أن تضيعوها أو تتعدوها، وقد ذكرنا تأويل من تأول ذلك أنه بمعنى التقوى قبل. وقال آخرون في تأويله بما: حدثني به محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: { أن تبروا وتتقوا } قال: كان الرجل يحلف على الشيء من البر والتقوى لا يفعله، فنهى الله عز وجل عن ذلك، فقال: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس } الآية، قال: ويقال: لا يتق بعضكم بعضا بي، تحلفون بي وأنتم كاذبون ليصدقكم الناس وتصلحون بينهم، فذلك قوله: { أن تبروا وتتقوا... } الآية. وأما قوله: { وتصلحوا بين الناس } فهو الإصلاح بينهم بالمعروف فيما لا مأثم فيه، وفيما يحبه الله دون ما يكرهه. وأما الذي ذكرنا عن السدي من أن هذه الآية نزلت قبل نزول كفارات الأيمان، فقول لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة، والخبر عما كان لا تدرك صحته إلا بخبر صادق، وإلا كان دعوى لا يتعذر مثلها وخلافها على أحد. وغير محال أن تكون هذه الآية نزلت بعد بيان كفارات الأيمان في سورة المائدة، واكتفي بذكرها هناك عن إعادتها ههنا، إذ كان المخاطبون بهذه الآية قد علموا الواجب من الكفارات في الأيمان التي يحنث فيها الحالف. القول في تأويل قوله تعالى: { والله سميع عليم }. يعني تعالى ذكره بذلك: والله سميع لما يقوله الحالف منكم بالله إذا حلف، فقال: والله لا أبر، ولا أتقي، ولا أصلح بين الناس، ولغير ذلك من قيلكم وأيمانكم، عليم بما تقصدون وتبتغون بحلفكم ذلك، الخير تريدون أم غيره، لأني علام الغيوب وما تضمره الصدور، لا تخفى علي خافية، ولا ينكتم عني أمر علن، فظهر أو خفي فبطن، وهذا من الله تعالى ذكره تهدد ووعيد. يقول تعالى ذكره: واتقون أيها الناس أن تظهروا بألسنتكم من القول، أو بأبدانكم من الفعل، ما نهيتكم عنه، أو تضمروا في أنفسكم، وتعزموا بقلوبكم من الإرادات والنيات بفعل ما زجرتكم عنه، فتستحقوا بذلك مني العقوبة التي قد عرفتكموها، فإني مطلع على جميع ما تعلنونه أو تسرونه.
Bog aan la aqoon