466

Jamic Bayan

جامع البيان في تفسير القرآن

[النساء: 10] كره المسلمون أن يضموا اليتامى، وتحرجوا أن يخالطوهم في شيء، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: { قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم }. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: سألت عطاء بن أبي رباح عن قوله: { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم } قال: لما نزلت سورة النساء عزل الناس طعامهم، فلم يخالطوهم. قال: ثم جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا يشق علينا أن نعزل طعام اليتامى وهم يأكلون معناه فنزلت { وإن تخالطوهم فإخوانكم }. قال ابن جريج وقال مجاهد: عزلوا طعامهم عن طعامهم، وألبانهم عن ألبانهم، وأدمهم عن أدمهم، فشق ذلك عليهم، فنزلت: { وإن تخالطوهم فإخوانكم } قال: مخالطة اليتيم في المراعي والأدم. قال ابن جريج: وقال ابن عباس: الألبان وخدمة الخادم وركوب الدابة. قال ابن جريج: وفي المساكن، قال: والمساكن يومئذ عزيزة. حدثنا محمد بن سنان، قال: ثنا الحسين بن الحسن الأشقر، قال: أخبرنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما نزلت:

ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن

[الأنعام: 152] و:

إن الذين يأكلون أموال اليتمى ظلما

[النساء: 10] قال: اجتنب الناس مال اليتيم وطعامه، حتى كان يفسد إن كان لحما أو غيره، فشق ذلك على الناس، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير }. حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن قيس بن سعد أو عيسى، عن قيس بن سعد، شك أبو عاصم عن مجاهد: { وإن تخالطوهم فإخوانكم } قال: مخالطة اليتيم في الرعي والأدم. وقال آخرون: بل كان اتقاء مال اليتيم واجتنابه من أخلاق العرب، فاستفتوا في ذلك لمشقته عليهم، فأفتوا بما بينه الله في كتابه. ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح } قال: كانت العرب يشددون في اليتيم حتى لا يأكلوا معه في قصعة واحدة، ولا يركبوا له بعيرا، ولا يستخدموا له خادما، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عنه، فقال: { قل إصلاح لهم خير } يصلح له ماله وأمره له خير، وإن يخالطه فيأكل معه ويطعمه، ويركب راحلته ويحمله، ويستخدم خادمه ويخدمه، فهو أجود. { والله يعلم المفسد من المصلح }. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير } إلى: { إن الله عزيز حكيم } وإن الناس كانوا إذا كان في حجر أحدهم اليتيم جعل طعامه على ناحية ولبنه على ناحية، مخافة الوزر.

وإنه أصاب المؤمنين الجهد، فلم يكن عندهم ما يجعلون خدما لليتامى، فقال الله: { قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم... } إلى آخر الآية. حدثت عن الحسن بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { ويسألونك عن اليتامى } كانوا في الجاهلية يعظمون شأن اليتيم، فلا يمسون من أموالهم شيئا، ولا يركبون لهم دابة، ولا يطعمون لهم طعاما. فأصابهم في الإسلام جهد شديد، حتى احتاجوا إلى أموال اليتامى، فسألوا نبي الله صلى الله عليه وسلم عن شأن اليتامى، وعن مخالطتهم، فأنزل الله: { وإن تخالطوهم فإخوانكم } يعني بالمخالطة: ركوب الدابة، وخدمة الخادم، وشرب اللبن. فتأويل الآية إذا: ويسألك يا محمد أصحابك عن مال اليتامى، وخلطهم أموالهم به في النفقة والمطاعمة والمشاربة والمساكنة والخدمة، فقل لهم: تفضلكم عليهم بإصلاحكم أموالهم من غير مرزئة شيء من أموالهم، وغير أخذ عوض من أموالهم على إصلاحكم ذلك لهم، خير لكم عند الله، وأعظم لكم أجرا، لما لكم في ذلك من الأجر والثواب، وخير لهم في أموالهم في عاجل دنياهم، لما في ذلك من توفر أموالهم عليهم. وإن تخالطوهم فتشاركوهم بأموالكم أموالهم في نفقاتكم ومطاعمكم ومشاربكم ومساكنكم، فتضموا من أموالهم عوضا من قيامكم بأمورهم وأسبابهم وإصلاح أموالهم، فهم إخوانكم، والإخوان يعين بعضهم بعضا، ويكنف بعضهم بعضا فذو المال يعين ذا الفاقة، وذو القوة في الجسم يعين ذا الضعف. يقول تعالى ذكره: فأنتم أيها المؤمنون وأيتامكم كذلك إن خالطتموهم بأموالكم، فخلطتم طعامكم بطعامهم، وشرابكم بشرابهم وسائر أموالكم بأموالهم، فأصبتم من أموالهم فضل مرفق بما كان منكم من قيامكم بأموالهم وولائهم، ومعاناة أسبابهم على النظر منكم لهم نظر الأخ الشفيق لأخيه العامل فيما بينه وبينه بما أوجب الله عليه وألزمه، فذلك لكم حلال، لأنكم إخوان بعضكم لبعض. كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: { وإن تخالطوهم فإخوانكم } قال: قد يخالط الرجل أخاه. حدثني أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن أبي مسكين، عن إبراهيم، قال: إني لأكره أن يكون مال اليتيم كالعرة. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن هشام الدستوائي، عن حماد، عن إبراهيم، عن عائشة، قالت: إني لأكره أن يكون مال اليتيم عندي عرة حتى أخلط طعامه بطعامي وشرابه بشرابي. فإن قال لنا قائل: وكيف قال { فإخوانكم } فرفع الإخوان، وقال في موضع آخر:

فإن خفتم فرجالا أو ركبانا

[البقرة: 239] قيل: لافتراق معنييهما، وذلك أن أيتام المؤمنين إخوان المؤمنين، خالطهم المؤمنون بأموالهم أو لم يخالطوهم.

فمعنى الكلام: وإن تخالطوهم فهم إخوانكم. والإخوان مرفوعون بالمعنى المتروك ذكره وهو هم لدلالة الكلام عليه، وإنه لم يرد بالإخوان الخبر عنهم أنهم كانوا إخوانا من أجل مخالطة ولاتهم إياهم. ولو كان ذلك المراد لكانت القراءة نصبا، وكان معناه حينئذ وإن تخالطوهم فخالطوا إخوانكم، ولكنه قرىء رفعا لما وصفت من أنهم إخوان للمؤمنين الذين يلونهم خالطوهم أو لم يخالطوهم. وأما قوله:

فرجالا أو ركبانا

Bog aan la aqoon