Jamic Bayan
جامع البيان في تفسير القرآن
[التوبة: 36] يقول: فيهن وفي غيرهن. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا يحرم القتال في الشهر الحرام، ثم أحل بعد. وقال آخرون: بل ذلك حكم ثابت لا يحل القتال لأحد في الأشهر الحرم بهذه الآية، لأن الله جعل القتال فيه كبيرا. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسن، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: قلت لعطاء: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير } قلت: ما لهم وإذ ذاك لا يحل لهم أن يغزوا أهل الشرك في الشهر الحرام، ثم غزوهم بعد فيه، فحلف لي عطاء بالله ما يحل للناس أن يغزوا في الشهر الحرام، ولا أن يقاتلوا فيه، وما يستحب، قال: ولا يدعون إلى الإسلام قبل أن يقاتلوا ولا إلى الجزية تركوا ذلك. والصواب من القول في ذلك ما قاله عطاء بن ميسرة، من أن النهي عن قتال المشركين في الأشهر الحرم منسوخ بقول الله جل ثناؤه:
إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموت والأرض منهآ أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة
[التوبة: 36]. وإنما قلنا ذلك ناسخ لقوله: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير } لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه غزا هوازن بحنين، وثقيفا بالطائف، وأرسل أبا عامر إلى أوطاس لحرب من بها من المشركين في بعض الأشهر الحرم، وذلك في شوال وبعض ذي القعدة، وهو من الأشهر الحرم. فكان معلوما بذلك أنه لو كان القتال فيهن حراما وفيه معصية، كان أبعد الناس من فعله صلى الله عليه وسلم. وأخرى: أن جميع أهل العلم بسير رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تتدافع أن بيعة الرضوان على قتال قريش كانت في ذي القعدة، وأنه صلى الله عليه وسلم إنما دعا أصحابه إليها يومئذ لأنه بلغه أن عثمان بن عفان قتله المشركون إذ أرسله إليهم بما أرسله به من الرسالة، فبايع صلى الله عليه وسلم على أن يناجز القوم الحرب ويحاربهم حتى رجع عثمان بالرسالة، وجرى بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش الصلح، فكف عن حربهم حينئذ وقتالهم، وكان ذلك في ذي القعدة، وهو من الأشهر الحرم. فإذا كان ذلك كذلك فبين صحة ما قلنا في قوله: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير } وأنه منسوخ. فإن ظن ظان أن النهي عن القتال في الأشهر الحرم كان بعد استحلال النبي صلى الله عليه وسلم إياهن لما وصفنا من حروبه، فقد ظن جهلا وذلك أن هذه الآية، أعني قوله: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه } في أمر عبد الله بن جحش وأصحابه، وما كان من أمرهم وأمر القتيل الذي قتلوه، فأنزل الله في أمره هذه الآية في آخر جمادى الآخرة من السنة الثانية من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهجرته إليها، وكانت وقعة حنين والطائف في شوال من سنة ثمان من مقدمه المدينة وهجرته إليها، وبينهما من المدة ما لا يخفى على أحد.
القول في تأويل قوله تعالى: { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا }. يعني تعالى ذكره: ولا يزال مشركو قريش يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن قدروا على ذلك. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني ابن إسحاق، قال: ثني الزهري ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير: { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } أي هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غير تائبين ولا نازعين، يعني على أن يفتنوا المسلمين عن دينهم حتى يردوهم إلى الكفر، كما كانوا يفعلون بمن قدروا عليه منهم قبل الهجرة. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } قال: كفار قريش. القول في تأويل قوله تعالى: { ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }. يعني بقوله جل ثناؤه: { ومن يرتدد منكم عن دينه } من يرجع منكم عن دينه، كما قال جل ثناؤه:
فارتدا على آثارهما قصصا
[الكهف: 64] يعني بقوله: فارتدا: رجعا. ومن ذلك قيل: استرد فلان حقه من فلان، إذا استرجعه منه. وإنما أظهر التضعيف في قوله: { يرتدد } لأن لام الفعل ساكنة بالجزم، وإذا سكنت فالقياس ترك التضعيف، وقد تضعف وتدغم وهي ساكنة بناء على التثنية والجمع. وقوله: { فيمت وهو كافر } يقول: من يرجع عن دينه، دين الإسلام، فيمت وهو كافر، فيمت قبل أن يتوب من كفره، فهم الذين حبطت أعمالهم يعني بقوله: { حبطت أعمالهم } بطلت وذهبت، وبطولها: ذهاب ثوابها، وبطول الأجر عليها والجزاء في دار الدنيا والآخرة. وقوله: { وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } يعني الذين ارتدوا عن دينهم فماتوا على كفرهم، هم أهل النار المخلدون فيها. وإنما جعلهم أهلها لأنهم لا يخرجون منها، فهم سكانها المقيمون فيها، كما يقال: هؤلاء أهل محلة كذا، يعني سكانها المقيمون فيها. ويعني بقوله: { هم فيها خالدون } هم فيها لابثون لبثا من غير أمد ولا نهاية.
[2.218]
يعني بذلك جل ذكره: إن الذين صدقوا بالله وبرسوله، وبما جاء به. وبقوله: { والذين هاجروا }: الذين هجروا مساكنة المشركين في أمصارهم، ومجاورتهم في ديارهم، فتحولوا عنهم، وعن جوارهم وبلادهم إلى غيرها، هجرة... لما انتقل عنه إلى ما انتقل إليه. وأصل المهاجرة المفاعلة، من هجرة الرجل الرجل للشحناء تكون بينهما، ثم تستعمل في كل من هجر شيئا لأمر كرهه منه. وإنما سمي المهاجرون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرين لما وصفنا من هجرتهم دورهم ومنازلهم، كراهة منهم النزول بين أظهر المشركين وفي سلطانهم، بحيث لا يأمنون فتنتهم على أنفسهم في ديارهم إلى الموضع الذي يأمنون ذلك. وأما قوله: { وجاهدوا } فإنه يعني: وقاتلوا وحاربوا وأصل المجاهدة المفاعلة، من قول الرجل: قد جهد فلان فلانا على كذا، إذا كربه وشق عليه يجهده جهدا. فإذا كان الفعل من اثنين كل واحد منهما يكابد من صاحبه شدة ومشقة، قيل: فلان يجاهد فلانا، يعني أن كل واحد منهما يفعل بصاحبه ما يجهده ويشق عليه، فهو يجاهده مجاهدة وجهادا. وأما سبيل الله: فطريقه ودينه. فمعنى قوله إذا: { والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله } والذين تحولوا من سلطان أهل الشرك هجرة لهم، وخوف فتنتهم على أديانهم، وحاربوهم في دين الله ليدخلوهم فيه، وفيما يرضى الله، { أولئك يرجون رحمة الله } أي يطمعون أن يرحمهم الله فيدخلهم جنته بفضل رحمته إياهم، { والله غفور } أي ساتر ذنوب عباده بعفوه عنها، متفضل عليهم بالرحمة. وهذه الآية أيضا ذكر أنها نزلت في عبد الله بن جحش وأصحابه. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه أنه حدثه رجل، عن أبي السوار يحدثه، عن جندب بن عبد الله قال: لما كان من أمر عبد الله بن جحش وأصحابه، وأمر ابن الحضرمي ما كان قال بعض المسلمين إن لم يكونوا أصابوا في سفرهم، أظنه قال: وزرا، فليس لهم فيه أجر، فأنزل الله: { إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم }. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني الزهري، ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قال: أنزل الله عز وجل القرآن بما أنزل من الأمر، وفرج الله عن المسلمين في أمر عبد الله بن جحش وأصحابه، يعني في قتلهم ابن الحضرمي، فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن، طمعوا في الأجر، فقالوا: يا رسول الله أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين؟ فأنزل الله عز وجل فيهم: { إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم } فوقفهم الله من ذلك على أعظم الرجاء.
حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: أثنى الله على أصحاب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أحسن الثناء، فقال: { إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم } هؤلاء خيار هذه الأمة، ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون، وأنه من رجا طلب، ومن خاف هرب. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.
[2.219-220]
Bog aan la aqoon