1139

" قيل لي أنت منهم ".

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا جامع بن حماد، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا... } إلى قوله: { والله يحب المحسنين } لما أنزل الله تعالى ذكره تحريم الخمر في سورة المائدة بعد سورة الأحزاب، قال في ذلك رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصيب فلان يوم بدر وفلان يوم أحد وهم يشربونها، فنحن نشهد أنهم من أهل الجنة فأنزل الله تعالى ذكره: { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين } يقول: شربها القوم على تقوى من الله وإحسان وهي لهم يومئذ حلال، ثم حرمت بعدهم، فلا جناح عليهم في ذلك.

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } قالوا: يا رسول الله، ما نقول لإخواننا الذين مضوا، كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر؟ فأنزل الله: { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } يعني قبل التحريم إذا كانوا محسنين متقين. وقال مرة أخرى: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا من الحرام قبل أن يحرم عليهم إذا ما اتقوا وأحسنوا بعد ما حرم وهو قوله:

فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } يعني بذلك رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ماتوا وهم يشربون الخمر قبل أن تحرم الخمر، فلم يكن عليهم فيها جناح قبل أن تحرم، فلما حرمت قالوا: كيف تكون علينا حراما وقد مات إخواننا وهم يشربونها؟ فأنزل الله تعالى { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعمواإذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات } يقول: ليس عليهم حرج فيما كانوا يشربون قبل أن أحرمها إذا كانوا محسنين متقين، والله يحب المحسنين. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى: { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } لمن كان يشرب الخمر ممن قتل مع محمد صلى الله عليه وسلم ببدر وأحد. حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال: ثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك، قوله: { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح }... الآية: هذا في شأن الخمر حين حرمت، سألوا نبي الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إخواننا الذين ماتوا وهم يشربونها؟ فأنزل الله هذه الآية.

[5.94]

يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله { ليبلونكم الله بشيء من الصيد } يقول: ليختبرنكم الله بشيء من الصيد، يعني: ببعض الصيد. وإنما أخبرهم تعالى ذكره أنه يبلوهم بشيء، لأنه لم يبلهم بصيد البحر وإنما ابتلاهم بصيد البر، فالابتلاء ببعض لم يمتنع. وقوله: { تناله أيديكم } فإنه يعني: إما باليد، كالبيض والفراخ وإما بإصابة النبل والرماح، وذلك كالحمر والبقر والظباء، فيمتحنكم به في حال إحرامكم بعمرتكم أو بحجكم. وبنحو ذلك قالت جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا هناد، قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: { ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم } قال: أيديكم صغار الصيد، أخذ الفراخ والبيض. و «الرماح»، قال: كبار الصيد. حدثنا هناد، قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن داود، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: { تناله أيديكم ورماحكم } قال: النبل، ورماحكم تنال كبير الصيد، وأيديكم تنال صغير الصيد، أخذ الفراخ والبيض. حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن حميد الأعرج، عن مجاهد في قوله: { ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم } قال: ما لا يستطيع أن يفر من الصيد. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن، قالا: ثنا سفيان، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، مثله. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { أيديكم ورماحكم } قال: هو الضعيف من الصيد وصغيره، يبتلي الله تعالى به عباده في إحرامهم حتى لو شاءوا نالوه بأيديهم، فنهاهم الله أن يقربوه. حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان الثوري، عن حميد الأعرج، وليث عن مجاهد في قوله: { يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم } قال: الفراخ والبيض، وما لا يستطيع أن يفر. القول في تأويل قوله تعالى: { ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم }. يعني تعالى ذكره: ليختبرنكم الله أيها المؤمنون ببعض الصيد في حال إحرامكم، كي يعلم أهل طاعة الله والإيمان به والمنتهون إلى حدوده وأمره ونهيه، من الذي يخاف الله، فيتقي ما نهاه عنه ويجتنبه خوف عقابه بالغيب، بمعنى: في الدنيا بحيث لا يراه. وقد بينا أن الغيب إنما هو مصدر قول القائل: غاب عني هذا الأمر فهو يغيب غيبا وغيبة، وأن ما لم يعاين فإن العرب تسميه غيبا. فتأويل الكلام إذن: ليعلم أولياء الله من يخاف الله فيتقي محارمه التي حرمها عليه من الصيد وغيره، بحيث لا يراه ولا يعاينه. وأما قوله: { فمن اعتدى بعد ذلك } فإنه يعني: فمن تجاوز حد الله الذي حده له بعد ابتلائه بتحريم الصيد عليه وهو حرام، فاستحل ما حرم الله عليه منه بأخذه وقتله { فله عذاب } من الله { أليم } يعني: مؤلم موجع.

[5.95]

يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله { لا تقتلوا الصيد } الذي بينت لكم، وهو صيد البر دون صيد البحر { وأنتم حرم } يقول: وأنتم محرمون بحج أو عمرة والحرم: جمع حرام، والذكر والأنثى فيه بلفظ واحد، تقول: هذا رجل حرام وهذه امرأة حرام، فإذا قيل محرم، قيل للمرأة محرمة. والإحرام: هو الدخول فيه، يقال: أحرم القوم: إذا دخلوا في الشهر الحرام، أو في الحرم. فتأويل الكلام: لا تقتلوا الصيد وأنتم محرمون بحج أو عمرة. وقوله: { ومن قتله منكم متعمدا } فإن هذا إعلام من الله تعالى ذكره عباده حكم القاتل من المحرمين الصيد الذي نهاه عن قتله متعمدا. ثم اختلف أهل التأويل في صفة العمد الذي أوجب الله على صاحبه به الكفارة والجزاء في قتله الصيد. فقال بعضهم: هو العمد لقتل الصيد مع نسيان قاتله إحرامه في حال قتله، وقال: إن قتله وهو ذاكر إحرامه متعمدا قتله فلا حكم عليه وأمره إلى الله. قالوا: وهذا أجل أمرا من أن يحكم عليه أو يكون له كفارة. ذكر من قال ذلك: حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } من قتله منكم ناسيا لإحرامه متعمدا لقتله، فذلك الذي يحكم عليه. فإن قتله ذاكرا لحرمه متعمدا لقتله، لم يحكم عليه. حدثنا ابن وكيع وابن حميد، قالا: ثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد في الذي يقتل الصيد متعمدا ، وهو يعلم أنه محرم ومتعمد قتله، قال: لا يحكم عليه، ولا حج له. وقوله: { ومن قتله منكم متعمدا } قال: هو العمد المكفر، وفيه الكفارة والخطأ أن يصيبه، وهو ناس إحرامه، متعمدا لقتله، أو يصيبه وهو يريد غيره، فذلك يحكم عليه مرة. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم، ومن قتله منكم متعمدا } غير ناس لحرمه ولا مريد غيره، فقد حل وليست له رخصة. ومن قتله ناسيا أو أراد غيره فأخطأ به، فذلك العمد المكفر. حدثنا يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: { ومن قتله منكم متعمدا } قال: متعمدا لقتله، ناسيا لإحرامه. حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا الفضيل بن عياض، عن ليث، عن مجاهد، قال: العمد هو الخطأ المكفر. حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا يونس بن محمد، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا ليث قال: قال مجاهد: قول الله: { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } قال: فالعمد الذي ذكر الله تعالى أن يصيب الصيد وهو يريد غيره فيصيبه، فهذا العمد المكفر فأما الذي يصيبه غير ناس ولا مريد لغيره، فهذا لا يحكم عليه، [هذا أجل من أن يحكم عليه].

حدثنا ابن وكيع، ومحمد بن المثنى، قالا: ثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الهيثم، عن الحكم، عن مجاهد، أنه قال في هذه الآية: { ومن قتله منكم متعمدا } قال: يقتله متعمدا لقتله، ناسيا لإحرامه. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدي، قال: ثنا شعبة، عن الهيثم، عن الحكم، عن مجاهد، مثله. حدثنا هناد، قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: قال ابن جريج: { ومن قتله منكم متعمدا } غير ناس لحرمه ولا مريد غيره، فقد حل وليست له رخصة. ومن قتله ناسيا لحرمه أو أراد غيره فأخطأ به، فذلك العمد المكفر. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن: { ومن قتله منكم متعمدا } للصيد ناسيا لإحرامه، { فمن اعتدى بعد ذلك } متعمدا للصيد يذكر إحرامه. حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا محمد بن أبي عدي، قال: ثنا إسماعيل بن مسلم، قال: كان الحسن يفتي فيمن قتل الصيد متعمدا ذاكرا لإحرامه: لم يحكم عليه. قال إسماعيل، وقال حماد عن إبراهيم، مثل ذلك. حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: أمرني جعفر بن أبي وحشية أن أسأل عمرو بن دينار عن هذه الآية: { ومن قتله منكم متعمدا فجراء مثل ما قتل من النعم... } الآية، فسألته، فقال: كان عطاء يقول: هو بالخيار أي ذلك شاء فعل، إن شاء أهدى وإن شاء أطعم وإن شاء صام. فأخبرت به جعفرا، وقلت: ما سمعت فيه؟ فتلكأ ساعة ثم جعل يضحك، ولا يخبرني، ثم قال: كان سعيد بن جبير يقول: يحكم عليه من النعم هديا بالغ الكعبة، فإن لم يجد يحكم عليه ثمنه، فقوم طعاما فتصدق به، فإن لم يجد عليه حكم الصيام فيه من ثلاثة أيام إلى عشرة. حدثنا ابن البرقي، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا نافع بن يزيد، قال أخبرني ابن جريج، قال: قال مجاهد: { ومن قتله منكم متعمدا } غير ناس لحرمه ولا مريد غيره فقد حل وليست له رخصة، ومن قتله ناسيا أو أراد غيره فأخطأ به، فذلك العمد المكفر. حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: أما الذي يتعمد فيه الصيد وهو ناس لحرمه أو جاهل أن قتله غير محرم، فهؤلاء الذين يحكم عليهم. فأما من قتله متعمدا بعد نهي الله وهو يعرف أنه محروم وأنه حرام، فذلك يوكل إلى نقمة الله، وذلك الذي جعل الله عليه النقمة. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: { ومن قتله منكم متعمدا } قال: متعمدا لقتله، ناسيا لإحرامه.

Bog aan la aqoon