Jamic Bayan
جامع البيان في تفسير القرآن
" لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث خلال: رجل قتل فقتل، ورجل زنى بعد إحصان فرجم، ورجل كفر بعد إسلامه "
قالوا: فحظر النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجل مسلم إلا بإحدى هذه الخلال الثلاث، فإما أن يقتل من أجل إخافته السبيل من غير أن يقتل أو يأخذ مالا، فذلك تقدم على الله ورسوله بالخلاف عليهما في الحكم. قالوا: ومعنى قول من قال: الإمام فيه بالخيار إذا قتل وأخاف السبيل وأخذ المال فهنالك خيار الإمام في قولهم بين القتل أو القتل والصلب، أو قطع اليد والرجل من خلاف. وأما صلبه باسم المحاربة من غير أن يفعل شيئا من قتل أو أخذ مال، فذلك ما لم يقله عالم. وقال آخرون: الإمام فيه بالخيار أن يفعل أي هذه الأشياء التي ذكرها الله في كتابه. ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا جويبر، عن عطاء، وعن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في المحارب: أن الإمام مخير فيه أي ذلك شاء فعل. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن عبيدة، عن إبراهيم: الإمام مخير في المحارب، أي ذلك شاء فعل: إن شاء قتل، وإن شاء قطع، وإن شاء نفي، وإن شاء صلب. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عاصم، عن الحسن في قوله: { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله }... إلى قوله: { أو ينفوا من الأرض } قال: يأخذ الإمام بأيهما أحب. حدثنا سفيان، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن عاصم، عن الحسن: { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } قال: الإمام مخير فيها. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، مثله.
حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن قيس بن سعد، قال: قال عطاء: يصنع الإمام في ذلك ما شاء: إن شاء قتل، أو قطع، أو نفي، لقول الله: { أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض } فذلك إلى الإمام الحاكم يصنع فيه ما شاء. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله }... الآية، قال: من شهر السلاح في فئة الإسلام، وأخاف السبيل، ثم ظفر به وقدر عليه، فإمام المسلمين فيه بالخيار، إن شاء قتله وإن شاء صلبه وإن شاء قطع يده ورجله. حدثنا هناد، قال: ثنا أبو أسامة، قال: أخبرنا أبو هلال، قال: أخبرنا قتادة، عن سعيد بن المسيب، أنه قال في المحارب: ذلك إلى الإمام، إذا أخذه يصنع به ما شاء. حدثنا هناد، قال: ثنا أبو أسامة، عن أبي هلال، قال: ثنا هارون، عن الحسن في المحارب، قال: ذاك إلى الإمام يصنع به ما شاء. حدثنا هناد، قال: ثنا حفص بن غياث، عن عاصم، عن الحسن: { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } قال: ذلك إلى الإمام. واعتل قائلو هذه المقالة بأن قالوا: وجدنا العطوف التي بأو في القرآن بمعنى التخيير في كل ما أوجب الله به فرضا منها، وذلك كقوله في كفارة اليمين:
فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة
[المائدة: 89]، وكقوله:
فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك
[البقرة: 196]، وكقوله:
فجزآء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما
[المائدة: 95]. قالوا: فإذا كانت العطوف التي بأو في القرآن في كل ما أوجب الله به فرضا منها في سائر القرآن بمعنى التخيير، فكذلك ذلك في آية المحاربين الإمام مخير فيما رأى الحكم به على المحارب إذا قدر عليه قبل التوبة. وأولى التأويلين بالصواب في ذلك عندنا تأويل من أوجب على المحارب من العقوبة على قدر استحقاقه وجعل الحكم على المحاربين مختلفا باختلاف أفعالهم، فأوجب على مخيف السبيل منهم إذا قدر عليه قبل التوبة وقبل أخذ مال أو قتل: النفي من الأرض وإذا قدر عليه بعد أخذ المال وقتل النفس المحرم قتلها: الصلب لما ذكرت من العلة قبل لقائلي هذه المقالة. فأما ما اعتل به القائلون: إن الإمام فيه بالخيار من أن «أو» في العطف تأتي بمعنى التخيير في الفرض، فنقول: لا معنى له، لأن «أو» في كلام العرب قد تأتي بضروب من المعاني لولا كراهة إطالة الكتاب بذكرها لذكرتها، وقد بينت كثيرا من معانيها فيما مضى وسنأتي على باقيها فيما يستقبل في أماكنها إن شاء الله.
فأما في هذا الموضع فإن معناها: التعقيب، وذلك نظير قول القائل: إن جزاء المؤمنين عند الله يوم القيامة أن يدخلهم الجنة، أو يرفع منازلهم في عليين، أو يسكنهم مع الأنبياء والصديقين. فمعلوم أن قائل ذلك غير قاصد بقيله إلى أن جزاء كل مؤمن آمن بالله ورسوله، فهو في مرتبة واحدة من هذه المراتب ومنزلة واحدة من هذه المنازل بإيمانه، بل المعقول عنه أن معناه: أن جزاء المؤمن لم يخل عند الله من بعض هذه المنازل، فالمقتصد منزلته دون منزلة السابق بالخيرات، والسابق بالخيرات أعلى منه منزلة، والظالم لنفسه دونهما، وكل في الجنة كما قال جل ثناؤه:
Bog aan la aqoon