Jamic Bayan
جامع البيان في تفسير القرآن
[طه: 63] فقالت: يا ابن أختي هذا عمل الكتاب أخطأوا في الكتاب. وذكر أن ذلك في قراءة ابن مسعود: «والمقيمون الصلاة». وقال آخرون، وهو قول بعض نحويي الكوفة والبصرة: والمقيمون الصلاة من صفة الراسخون في العلم، ولكن الكلام لما تطاول واعترض بين الراسخين في العلم والمقمين الصلاة ما اعترض من الكلام فطال نصب المقيمين على وجه المدح، قالوا: والعرب تفعل ذلك في صفة الشيء الواحد ونعته إذا تطاولت بمدح أو ذم خالفوا بين إعراب أوله وأوسطه أحيانا ثم رجعوا بآخره إلى إعراب أوله، وربما أجروا إعراب آخره على إعراب أوسطه، وربما أجروا ذلك على نوع واحد من الإعراب. واستشهدوا لقولهم ذلك بالآيات التي ذكرناها في قوله:
والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأسآء والضرآء
[البقرة: 177]. وقال آخرون: بل المقيمون الصلاة من صفة غير الراسخين في العلم في هذا الموضع وإن كان الراسخون في العلم من المقيمين الصلاة. وقال قائلو هذه المقالة جميعا: موضع المقيمين في الإعراب خفض، فقال بعضهم: موضعه خفض على العطف على «ما» التي في قوله: { يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك } ويؤمنون بالمقيمين الصلاة. ثم اختلف متأولو ذلك في هذا التأويل في معنى الكلام، فقال بعضهم: معنى ذلك: والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، وبإقام الصلاة. قالوا: ثم ارتفع قوله: «والمؤتون الزكاة»، عطفا على ما في «يؤمنون» من ذكر المؤمنين، كأنه قيل: والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك هم والمؤتون الزكاة. وقال آخرون: بل المقيمون الصلاة: الملائكة. قالوا: وإقامتهم الصلاة: تسبيحهم ربهم واستغفارهم لمن في الأرض. قالوا: ومعنى الكلام: والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالملائكة. وقال آخرون منهم: بل معنى ذلك: والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ، ويؤمنون بالمقيمين الصلاة، هم والمؤتون الزكاة، كما قال جل ثناؤه:
يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين
[التوبة: 61]. وأنكر قائلو هذه المقالة أن يكون المقيمين منصوبا على المدح وقالوا: إنما تنصب العرب على المدح من نعت من ذكرته بعد تمام خبره قالوا: وخبر الراسخين في العلم قوله: { أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما }. قال: فغير جائز نصب المقيمين على المدح وهو في وسط الكلام ولما يتم خبر الابتداء. وقال آخرون: معنى ذلك: لكن الراسخون في العلم منهم، ومن المقيمين الصلاة. وقالوا: موضع المقيمين خفض. وقال آخرون: معناه: والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وإلى المقيمين الصلاة. وقال أبو جعفر: وهذا الوجه والذي قبله منكر عند العرب، ولا تكاد العرب تعطف لظاهر على مكنى في حال الخفض وإن كان ذلك قد جاء في بعض أشعارها.
وأولى الأقوال عندي بالصواب، أن يكون المقيمين في موضع خفض نسقا على «ما» التي في قوله: { بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك } وأن يوجه معنى المقيمين الصلاة إلى الملائكة، فيكون تأويل الكلام: والمؤمنون منهم يؤمنون بما أنزل إليك يا محمد من الكتاب وبما أنزل من قبلك من كتبي وبالملائكة الذين يقيمون الصلاة ثم يرجع إلى صفة الراسخين في العلم فيقول: لكن الراسخون في العلم منهم، والمؤمنون بالكتب، والمؤتون الزكاة، والمؤمنون بالله واليوم الآخر. وإنما اخترنا هذا على غيره، لأنه قد ذكر أن ذلك في قراءة أبي بن كعب: «والمقيمين»، وكذلك هو في مصحفه فيما ذكروا، فلو كان ذلك خطأ من الكاتب لكان الواجب أن يكون في كل المصاحف غير مصحفنا الذي كتبه لنا الكاتب الذي أخطأ في كتابه بخلاف ما هو في مصحفنا. وفي اتفاق مصحفنا ومصحف أبي في ذلك، ما يدل على أن الذي في مصحفنا من ذلك صواب غير خطأ، مع أن ذلك لو كان خطأ من جهة الخط، لم يكن الذين أخذ عنهم القرآن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمون من علموا ذلك من المسلمين على وجه اللحن، ولأصلحوه بألسنتهم، ولقنوه للأمة تعليما على وجه الصواب. وفي نقل المسلمين جميعا ذلك قراءة على ما هو به في الخط مرسوما أدل الدليل على صحة ذلك وصوابه، وأن لا صنع في ذلك للكاتب. وأما من وجه ذلك إلى النصب على وجه المدح للراسخين في العلم وإن كان ذلك قد يحتمل على بعد من كلام العرب لما قد ذكرنا قبل من العلة، وهو أن العرب لا تعدل عن إعراب الاسم المنعوت بنعت في نعته إلا بعد تمام خبره، وكلام الله جل ثناؤه أفصح الكلام، فغير جائز توجيهه إلا إلى الذي هو به من الفصاحة. وأما توجيه من وجه ذلك إلى العطف به على الهاء والميم في قوله: { لكن الراسخون في العلم منهم } أو إلى العطف به على الكاف من قوله: { بما أنزل إليك } أو إلى الكاف من قوله: { وما أنزل من قبلك } فإنه أبعد من الفصاحة من نصبه على المدح لما قد ذكرت قبل من قبح رد الظاهر على المكني في الخفض. وأما توجيه من وجه المقيمين إلى الإقامة، فإنه دعوى لا برهان عليها من دلالة ظاهر التنزيل ولا خبر تثبت حجته، وغير جائز نقل ظاهر التنزيل إلى باطن بغير برهان. وأما قوله: { والمؤتون الزكاة } فإنه معطوف به على قوله: { والمؤمنون يؤمنون } وهو من صفتهم. وتأويله: والذين يعطون زكاة أموالهم من جعلها الله له وصرفها إليه { والمؤمنون بالله واليوم الآخر } يعني: والمصدقون بوحدانية الله وألوهيته، والبعث بعد الممات، والثواب والعقاب { أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما } يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم سنؤتيهم، يقول: سنعطيهم أجرا عظيما، يعني: جزاء على ما كان منهم من طاعة الله، واتباع أمره، وثوابا عظيما، وذلك الجنة.
[4.163]
يعني جل ثناؤه بقوله: { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح }: إنا أرسلنا إليك يا محمد بالنبوة كما أرسلنا إلى نوح وإلى سائر الأنبياء الذين سميتهم لك من بعده والذين لم أسمهم لك. كما: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن منذر الثوري، عن الربيع بن خيثم في قوله: { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده } قال: أوحى إليك كما أوحى إلى جميع النبيين من قبله. وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن بعض اليهود لما فضحهم الله بالآيات التي أنزلها على رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك من قوله:
يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السمآء
[النساء: 153] فتلا ذلك عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء بعد موسى. فأنزل الله هذه الآيات تكذيبا لهم، وأخبر نبيه والمؤمنين به أنه قد أنزل عليه بعد موسى وعلى من سماهم في هذه الآية وعلى آخرين لم يسمهم. كما: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، قال: ثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال سكين وعدي بن زيد: يا محمد ما نعلم الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى، فأنزل الله في ذلك من قولهما: { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده }... إلى آخر الآيات. وقال آخرون: بل قالوا: لما أنزل الله الآيات التي قبل هذه في ذكرهم ما أنزل الله على بشر من شيء، ولا على موسى، ولا على عيسى، فأنزل الله جل ثناؤه:
Bog aan la aqoon