واختلفوا في تسليمها، فقال بعضهم: لا يجوز دفعها إلا بشاهدي عدل مع دعوى المدعي لها؛ لأنها مال، والأموال لا تجوز أن تنتقل على وجه الحكم ولا يحكم لمدعيها بها إلا بشاهدي عدل لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين). وقال الباقون وهم الأكثر وعلى قولهم العمل وإليه نذهب أن اللقطة مخصوصة بحكم، وعلى ذلك النقل وعمل الناس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتسليم اللقطة إلى من جاء يدعيها وجاء بعلامتها وهو وعاؤها ووكاؤها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : (عقاصها ووكاؤها) فلما جعل النبي صلى الله عليه وسلم هذه العلامات موجبة للتسليم إلى من جاء بها دل على أنها تقوم مقام الشاهدين، وكانت اللقطة مخصوصة بهذا الحكم، فالاقتداء بالرسول عليه السلام أولى من تأويل من لا يؤمن معه الغلط، قالوا: فإن لم يجدر ربها وعدم معرفة صاحبها تصدق بما ملتقطها على الفقراء، وأجمعوا على تضمينه إياها بعد ذلك، وجعلوا الخيار لربها إذا جاء يطلبها، وصح أنه كان مالكا لها، إن شاء أخذ بدلها مثلها أو الثواب الذي هو عوض عنها، ولم أعلم أن أحدا من أهل الخلاف عليهم أوجب الضمان على الملتقط لها إذا بالغ في طلب ربها ثم تصدق بها بعد سنة أو سنتين على ما جاء الخلاف بينهم، وقد وجدت أن لأبي أيوب وائل بن أيوب فيمن لزمه ضمان من مال الناس لا يعرفهم من تجارة أربى فيها، أو ضمان التجاهل في البيع والشراء ثم رغب في التوبة، أن عليه أن يتصدق بها على الفقراء إذا لم يعرف أرباب تلك الأموال التي ضمنها وأخذها، ولم يوجب عليه بعد الصدقة ضمانا، وقد شككت في قوله في اللقطة، وأظن أن سبيلها عنده في زوال الضمان بعد الصدقة بها سبيل ما جناه التاجر في تجارته وما لزمه من الضمان في معاملته، وعندي أن أمر اللقطة أيسر في باب العذر والله أعلم.
Bogga 148