وإذا لم يمكن بد من التعريف بهذا الحكم خشية أن يقع فيه أحد، فليكن بعبارة لا توهم نقصا في النبي ﷺ ولا غضا من منصبه، مثل أن يقال: ما استأثر الله-﷿-بالقدرة عليه، فلا يطلب من مخلوق/ [٣٢٢ ل] على الإطلاق أو نحو هذا ولا يتعرض للنبي ﷺ سلب الاستغاثة عنه مطلقا ولا مقيدا، ولا يذكر إلا بالصلاة والسّلام عليه، والرواية عنه، ونحو ذلك.
هذا حاصل ما وقع في هذه المسألة، سؤالا وجوابا، ذكرته بمعناه وزيادات من عندي.
﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ (١٥) [القصص: ١٥] يحتج به المعتزلة في نسبة خلق الأفعال إلى المخلوق: لأن موسى نسب قتله القبطي إلى الشيطان بأنه من عمله.
وأجيب بأن معناه، هذا من جنس عمل الشيطان، أو مما وسوس به [وزينه] الشيطان ونحو ذلك، وإلا فقتل القبطي مخلوق لموسى عندكم [على] الحقيقة، وعندنا الله-﷿-فلم يبق للشيطان إلا التزيين والوسوسة، ولموسى إلا الكسب عندنا.
﴿قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (١٦) [القصص: ١٦] أي بكسب القتل عندنا وبخلقه عندهم.
﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اِسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ (١٨) [القصص: ١٨] فسّر الاستغاثة السابقة بالاستنصار / [١٥٣ ب/م] والاستصراخ فدل على أنها مترادفة على معنى واحد، كما سبق ذكره.
﴿فَلَمّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٣٠) [القصص: ٣٠] يحتج بها الصوتية لأن المنادي هاهنا هو الله-﷿-بنفسه، بدليل ﴿فَلَمّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٣٠) [القصص: ٣٠] والنداء لا يعقل إلا بحرف وصوت.