Irshaad
الإرشاد إلى نجاة العباد للعنسي
فجملة الأمر وتفصيله أن تصرف سهرك ويقظتك إلى ثلاثة أشياء وهي استعمال الصلوات والتهجد بالقرآن، والاستئناس بالذكر لله تعالى فهذه الأمور الثلاثة هي التعبد لله والخدمة له عز وجل بما يحب ويرضى وبها يقع الفوز والنجاة، ولن تذعن لك نفسك إلى التجرد من النوم والتلبس بالسهر والمفارقة للين المهاد ولذة الرقاد إلا بأن تشرب قلبك الخوف والرجاء، ولن يصدق خوفك إلا مع الحزن والبكاء، ولا يصدق رجاؤك إلا مع التوكل والأنس بالله تعالى وإنما ينبعث لك داعية التوكل والأنس بالانقطاع إلى الله تعالى وحسن الظن به، وينبعث لك داعية الخوف والخشية بالتصور والفكرة وكثرة التيقن لجلال الله تعالى والمعرفة، ويحرك الذكر لله عز وجل أغصان المعرفة فيقع في باطن قلبك ومتى أنشأت التصور للموت والبلاء وتفكرت في أحوالك عند مماتك وضعفك بين أهل قوتك من أهلك وحشمك وأخدانك وأوليائك بحيث لا يجلبون لك نفعا ولا يدفعون عنك ضررا، ثم نظرت في ورود الملائكة عليك لتقبض روحك، ومعالجتهم لنفسك، وتصورت عظم الألم وتضاعف البلاء وكونك على خطر من عملك، ثم تصورت أحوالك كلها إلى أن ترد إلى قبرك، وتدخل في لحدك، ثم فكرت في دخول نكير ومنكر عليك وانفرادهما بك ومسآلتهما لك وضعف قلبك عن إجابتهما، وأدرت النظر في انفرادك وحدك إلى أن تقوم الساعة، ثم عاودت التصور إلى أحوال القيامة ومواقفها وأفزاعها وأهوالها وأحوال النار وحريقها وغلالها وحياتها وعقاربها وطعامها وشرابها وغير ذلك من عذابها، وقصرت خاطرك على جميع ما ذكرناه في الركن العاشر هاج من ذلك عليها، وهيج الخوف والخشية وأذعنت النفس إلى الحزن والبكاء.
فمتى أخطرت ببالك الجنة وما وعد الله المتقين وجميع ما ذكرناه في الركن العاشر للمؤمنين شربت حينئذ بكاس الرجاء ونبت في قلبك التوكل والأنس والحب لله تعالى وحينئذ يعدل مزاجك ويذهب رقادك ويكثر سهرك ويسهل عليك مفارقة منزلك وفرشك، بل مفارقة روحك ونفسك والأنس بدلا من ذلك بربك.
Bogga 377