243

Iqaz Uli Himam

إيقاظ أولي الهمم العالية إلى اغتنام الأيام الخالية

فقال الفارس في نفسه: هذا شيخ مسكين نهض إلى الجبل يسوق حطبا، فما عسى أن يريد المنصور منه؟ قال: فتركته فسار عني قليلا، ثم فكرت في قول المنصور، وخفت سطوته، فنهضت إلى الشيخ، وقلت له: ارجع إلى مولانا المنصور.

فقال: وما عسى أن يريد المنصور من شيخ مثلي، سألتك بالله أن تتركني لطلب معيشتي؟ فقال له الفارس: لا أفعل، ثم قدم به على المنصور ومثله بين يديه، وهو جالس لم ينم ليلته تلك.

فقال المنصور للصقالبة: فتشوه، ففتش فلم يوجد عنده شيء، فقال: فتشوا برذعة حماره، فوجدوا داخلها كتابا من نصارى كانوا قد نزوعوا إلى المنصور يخدمون عنده إلى أصحابهم من النصارى، ليقبلوا ويضروا في إحدى النواحي المعلومة، فلما انبلج الصبح، أمر بإخراج أولئك النصارى إلى باب الزاهرة، فضربت أعناقهم، وضربت رقبة الشيخ معهم.

ومن ذلك قصة الجوهري التاجر، وذلك أن رجلا جوهريا من تجار المشرق قصد المنصور من مدينة عدن بجوهر كثير وأحجار نفيسة، فأخذ المنصور من ذلك ما استحسنه ودفع إلى التاجر الجوهري صرته، وكانت قطعة يمانية، فأخذ التاجر في انصرافه طريق الرملة على شط النهر.

فلما توسطها -واليوم قائظ وعرقه منصب- دعته نفسه إلى التبرد ي النهر، فوضع ثيابه وتلك الصرة على الشط، فمرت حدأة فاختطفت الصرة تحسبها لحما، وصاعدت في الأفق ذاهبة، فقطعت الأفق التي تنظر إليه عين التاجر، فقامت قيامته، وعلم أنه لا يقدر أن يستدفع ذلك بحيلة، فأسر الحزن في نفسه، ولحقه لأجل ذلك علة اضطرب فيها.

وحضر الدفع إلى التجار، فحضر الرجل لذلك بنفسه، فاستبان للمنصور ما بالرجل من المهانة والكآبة وفقد ما كان عنده من النشاط وشدة العارضة، فسأله المنصور عن شأنه، فأعلمه بقصته.

Bogga 244