يجمع القرآنَ على عهد رسولِ الله ﷺ أربعةُ نفر، لأننا لا نحتاجُ
في حفظ جميع الأمة للقرآن وظهورِ نقله والإحاطةِ بجميعه إلى أن يُعتَقَدَ ويتبَيَّن
أنّ فيهم حفّاظًا لجميعه، لأنه لو اتفقَ مع بُعد ذلك في العادة وتعذُّره أن لا
يجمعه أحد منهم لوجب بالعادة المعلومة من تركيب الطباع وعظمِ شأن القرآنِ وموردِه والداعي إلى حفظه والتمسُّك به والتحاكم إليه، والردِ إلى موجَبِه وإخباره بأنّ معدنَ العلم ويُنبُوعَه أن لا يذهبَ على جميع الأمّة حفظُ سائره، وأن لا بُدَّ أن يتفقَ لخَلْقٍ منهم أن يحفظوا مواضعَ منه، ولآخرين أن يحفظوا مواضعَ أُخَرَ، ولخَلْقٍ الاستكثارُ منه، ولقومٍ الاقتصارُ على ما يُجزىءُ به من قراءته، ولقومٍ إيثارُ الطِّوالِ منه، ولآخرينَ إيثارُ حفظِ المفضَلِ السهل.
ولخلقٍ منهم حفظه ومعرفتُه ضبطًا ونَظَرًا في المصاحف، ولخلقٍ منهم
التفقُّهُ به، ولآخرينَ القيامُ للصلاة به، ولآخرينَ الانتصابُ لتعليمه، حتى لا
يذهبَ شيء منه على كافّتهم، ولا يتوهَّمَ من له أدنى مُسْكةٍ وفهمٍ ومعرفةٍ
بعلوم التجربة والعادة توافي هِمَمِ جميع الأمّة على تضييع شيء منه وذهابه
عليهم، وأن الشاةَ دخلت فأكلَت كثيرا منه! كانوا جمعوه فلم يوجد في غير
تلك النسخة، ولا في صدرِ رجلٍ من الأمة، ولا عند أحدٍ ممن يقرأ نظرًا حفظَه والعلمَ به، وأن اعتقادَ ذلك من الأمور الدالّةِ على فرط الجهل والغَباوة.
فوضح بهذه الجملة أنه لا حاجةَ ماسّةً ولا غيرَ ماسّةٍ إلى إقامة الأدلّة
والبراهين على كونِ حفاظ لجميع القرآن على عهدِ رسول الله ﷺ وبعده، وأنّ ذلك إن ذكرناه فعلى سبيل التأكيد والكشف عن صورة الحال وموجَبِ العادة في ذلك.
فإن قال قائلٌ: فإذا كانت الحال في موجَب شُهرة الأخبار التي رويتموها
في كثرة الحفَّاظ وارتفاع النزاع في حفظ الأربعة نفرٍ على عهد رسول الله ﷺ